إلى متى يطول صمت بري عن الكلام واحتجابه عن المبادرة؟

ابراهيم بيرم – النهار

بنوع من الصوم المدروس عن الكلام والحراك والمبادرة، يمضي رئيس مجلس النواب نبيه بري ايامه وهو يترصد مسار عملية تأليف الحكومة بين طرفَي التأليف الرئيس المكلف نجيب ميقاتي ورئيس الجمهورية ميشال عون وما يتخللها من غموض والتباس.




والواضح ان بري تعمّد الاحتجاب على غير عادته في محطة كهذه قياساً على تجربة الاحتفاء التي أبداها غداة تكليف الرئيس سعد الحريري حيث كان يصر يوميا على إبداء التفاؤل وتحديد موعد بدنوّ صدور التشكيلة، مع العلم ان تفاصيل عملية التأليف وما تنطوي عليه من عروض وشروط متبادلة تحيطه بها لحظة بلحظة جهات عدة في مقدمها بطبيعة الحال الرئيس المكلف نفسه.

لكن ذلك على بداهته لا يعني اطلاقا ان رئيس المجلس يقيم على قدر من القلق خشية وقوع مفاجآت في مجريات عملية التأليف ومفاوضاتها في ربع الساعة الاخير او في الامتار الاخيرة وفق التعبير الذي اختاره ميقاتي، من شأنها ان تفرض عليه وقائع معيّنة لا يرتضيها.

ولعل اول روافد ذلك الاطمئنان لدى سيد عين التينة يتجسد استهلالا بإخفاق محاولة بذلها الرئيس عون للاطاحة باسم المرشح لتولي حقيبة المال مدير العمليات في مصرف لبنان الدكتور يوسف الخليل. ولم يعد خافيا ان الرئيس بري ابلغ من يعنيهم الامر ان الخليل مرشحه الحصري لهذه المهمة وليس في وارد التراجع عن هذا الاسم.

ولقد بات معلوما للمتابعين ان تمسك بري بترشيح هذا الاسم لهذه الحقيبة الوزارية البالغة الحساسية لا يعود الى علاقة سالفة ومعرفة عميقة جمعته بهذا الرجل، ولكن تزكية هذه الشخصية وارتفاع اسهمها على هذا النحو غير المسبوق كانت لان اسمه أتى نتيجة تقاطع ارادات ورغبات وحسابات جهات عدة تبدأ بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ثم بالرئيس ميقاتي مرورا بالجانب الفرنسي وصولا الى المؤسسات التمويلية الدولية وفي صدارتها صندوق النقد الدولي.

والجليّ بحسب مصادر ان للرئيس بري مآرب اخرى في تسمية هذا الرجل الصوري (من صور) تتصل بانه يقطع عمليا الطريق تماما امام استغلال موضوع التدقيق الجنائي، اذ ان ثمة اعتقادا فحواه ان مجيء هذا الرجل الى تلك الحقيبة معناه ان هذا المشروع وامتداداته لن تكون وفق ما يخطَّط لجهة فلش ملفات المالية العامة للدولة اللبنانية بدءا بملفات مصرف لبنان تحديدا ومرورا بملفات وزارة المال، علما ان ثمة من يزعم ان مشروع التدقيق ما تعامل احد معه بجدية، فهو حمل معه بذور فنائه منذ لحظة اقراره في مجلس النواب قبل اشهر كونه رُبط بسقف زمني محدد ومحدود.

ومع ان الرئيس بري انجز تفاهما سريعا مع الطرف الثاني من الثنائية، اي “حزب الله”، حول الحصص الوزارية لكل منهما والتي استقرت على معادلة وزيرين لكل طرف، اما الخامس فيُفترض انه شراكة، فان ثمة متصلين بأجواء عين التينة يسمحون لأنفسهم بان يتحدثوا عن هاجسين لديها:

الاول يتصل بما تناهى الى علم الرئيس بري من ان الرئيس عون وبعدما تيقن من صعوبة العبور الى التدقيق الجنائي لسماكة جدار المتعاطين معه بسلبية، فانه يسعى وفق مصادر الى الالتفاف على الموضوع من ابواب اخرى ربما اسهل واكثر مشروعية. لذا فهو يقرن منذ ايام عملية توقيعه على مرسوم التأليف مع ميقاتي بالحصول سلفا على ضمانات مسبقة حيال ثلاثة امور بالغة الاهمية فور ابصار الحكومة النور، هي:

– تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان يخلف سلامة.
– تعيين مدعٍ عام تمييزي جديد.
– تعيين مدير عام جديد واصيل لوزارة الداخلية.

ويبدو ان ثمة قناعة لدى عون وفريقه السياسي بان بلوغ هذه الاهداف الثلاثة التي تبدو مشروعة وجاذبة للرأي العام الذي اكتوى بنار الانهيارات المالية والاقتصادية، يوازي في جوهره تسمية وزراء وحقائب وزارية وذلك في اطار الصراع الدائر بضراوة بين العهد وقوى سياسية أساسية باتت في موقع الدفاع عن مواقع وادوار راكمتها واكتسبتها مدى نحو عقدين من الزمن ما سمح لها بتكريس ريادتها في الحياة السياسية.

لاريب في ان الرئيس بري على ثقة بان ميقاتي ليس من السهولة بمكان على نحو يجعله يقبل باعطاء العهد هذه المكاسب الثلاثة، ولكن رئيس المجلس وآخرين يدركون ان عند ميقاتي نقطة ضعف غير مرئية تتمثل بحاجته الملحّة الى التأليف العاجل للحكومة التي تصدى لها وفق لائحة طويلة من الحسابات والاعتبارات وعدم البقاء في دائرة التكليف ومن ثم تكرار تجربة سلفه.

الثاني يتمثل بقرار الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله استجرار المحروقات من ايران عبر السفن.

وسواء صحّت المعلومات التي راجت اخيرا ومفادها ان بري فوجىء بالقرار ما اوحى انه لم يسبقه اي تنسيق او تشاور أم لم تصح، إلا ان ثمة معلومات سرت اخيرا مؤداها ان بري ابلغ الحزب انه ليس في وارد السماح باستخدام خزانات الزهراني لتخزين المشتقات النفطية المستقدمة تحاشيا لتبعات وتداعيات عقابية لا قِبل له بتحملها، علما ان ثمة من يتحدث عن ان الحزب لم يفاتح بري بالحاجة الى تلك الخزانات لانه يعرف المحاذير، وهو احتاط للامر من كل جوانبه.

واللافت ان بري وحركة “امل” قد اختارا الاعتصام بالصمت حيال هذا القرار لادراكهما ان الترحيب به يورث مخاطر والاعتراض عليه يخلّف نقمة شعبية.
وفي العموم فانه لا يمكن أحداً ان يسأل بري عن اسباب وأبعاد احتجابه والتزامه الصمت حيال حدث بمستوى استيلاد حكومة ينتظر تأليفها منذ نحو عام، فهو سيد مَن يعرف اصول اللعبة.

ومهما يكن من امر، فان ثمة من يرجح ألا تطول فترة غياب بري عن مسرح الكلام واطلاق المواقف، وهو ينتظر الاشارة من الرئيس المكلف. ولكن الاكيد ان ثمة مشروعية لطرح سؤال عن دواعي السلوك البارد لبري مع تكليف ميقاتي، في حين بدا قبل عام وكأنه عرّاب تكليف الحريري؟