نبيل بومنصف - النهار

… وكيف لا يشفقون! – نبيل بومنصف – النهار

لم يمر زمن طويل جدا لمسح ذاكرة اللبنانيين حيال ظواهر طبعت حقبات الحرب ولا سيما منها تلك التي تلتصق بالوجدان الشخصي مدى العمر. كان صوت فيروز في تلك الحقبات خصوصا، ولو انه لا يزال وسيبقى ولو بطريقة مختلفة، يفجر شجون اللبنانيين عبر العالم اكثر منه في ارض المحنة المحروقة التي تدور فوقها المعارك. و”بحبك يا لبنان” صارت بلا منازع البديل من النشيد الوطني في بلد الأرز المنقسم والمشلع والمتحاربة جماعاته وطوائفه اذ صارت دموع اللبنانيين في “الوطن والمهجر” آخر علامات الوحدة والانتماء الى لبنان في ذاك المعترك التاريخي. لا نستحضر ذلك فرحين طبعاً، وانما من باب التأسي على أنفسنا لأننا بعد اكثر أربعة عقود على انفجار الحرب نجدنا امام استعادات كادت ذاكرتنا تمارس رقابتها الذاتية علينا بمحوها. ان يشفق اللبنانيون على انفسهم لانهم باتوا في ما يتجاوز تجارب الحرب بالقسوة والظلامة والظلم والتقهقر أضعافا مضاعفة عما شهدوه آنذاك فهو القهر الذي كان يستحيل على أي لبناني ان يقبله او يتصوره فاذا به يسحق سحقا متوحشا في ظل “احكامه العائدة”.

افضت مقاومة الناس عندنا لكل الكوارث اللاحقة بهم منذ سنتين الى الإشفاق على أحوالهم الان بعدما انهارت كل القدرات الكافية لاسقاط السلطة الأسوأ في تاريخ لبنان كما في سجل سلطات عشرات الدول الفاشلة او المتهالكة في أزمات عبر العالم. لا يقاس مدى توحش السلطات بمقاييس مشابهة لانظمة الطغاة الدمويين مثل النظام السوري وسواه فقط بل وأساسا بمدى الغربة والإنكار وصم الاذان واغماض الأعين عن كارثة الناس وسط انهمار الكوارث كما يجري راهنا عندنا.




ان أسوأ مما استدرجته السلطة الحاكمة الحالية الى لبنان لا يقتصر على دفن لبنان الحديث ولبنان الخدمات ولبنان الإرث التاريخي المتألق والجسر المفتوح على حضارات التقدم والتمدن… ليس كل ذلك فحسب بل استدراج لغة الإشفاق العالمي على اللبنانيين المقيمين وحتى الملايين منهم المنتشرين في انحاء العالم. يشفقون علينا امام سقوطنا المبرح الدراماتيكي تحت رحمة سلطة لم نتصور حتى في الخيال انها ستبلغ من العتو في السؤ هذا الدرك المنحط متفرجة على أسوأ ما أصاب ويصيب اللبنانيين. صار اللبنانيون في العالم يعنون لمن يسمع عن لبنان انهم الشعب الأكثر حاجة الى الدواء والمحروقات والكهرباء والاستشفاء والدولار … فقط لا غير.

منذ انفجار مرفأ بيروت انقلبت نظرة الدول الى لبنان انقلابا جذريا بحيث صارت اللغة الدولية المتبعة حياله يغلب عليها طابع #”المعونة ” او المساعدات الإنسانية، خصوصا بعدما انكشف امام العالم منذ ذاك الانفجار الحجم المخيف للفساد الحاكم في لبنان، وكذلك بعدما ثبت له ان ما “يدير” لبنان اليوم ليس عهدا او حكما او سلطة بل هو القباحة المطلقة في مفهوم السلطة بما يتجاوز تجاوب الاحتلال اوالوصاية او الميليشيات. لذا لا يعود غريبا ان تستوقفنا مثلا مبادرة كتلك التي قامت بها شركة طيران في احدى الدول الخليجية التي تضم عشرات الاف اللبنانيين بالسماح للبنانيين بزيادة حمولتهم على طائراتها ليتمكنوا من شحن أدوية وحاجات ملحة باتت كلها في عداد المفقودين والمفقودات في بلد الأرز الزاهر. هي الإنسانية او الإشفاق، لا فرق، ما دامت السلطة في لبنان استعصت على أبحاث علماء الجينات!