فشل ميقاتي يعني لا حكومة حتّى نهاية العهد

سركيس نعوم – النهار

يبدو أنّ الرئيس المُكلَّف #نجيب ميقاتي أعطى قبل تكليفه بل قبل سعيه إلى الحصول عليه أهميّةً أكبر من اللازم للتأييد الخارجي الذي ضمنه بعمله الدؤوب لإقناع الدول المعنيّة بلبنان بأنّه رجل المرحلة القادر على وقف الفوضى المُتصاعدة، وعلى إعداد مشروعات إصلاحيّة مع حكومته تقنع المجتمعين العربي والدولي ومجتمع المنظّمات الدوليّة بالإنخراط فعليّاً في عمليّة الإنقاذ أو بالأحرى في إخراج لبنان من “جهنَّم” التي صار له فيها مقرٌّ محترم.




فالولايات المتّحدة لا تزال تُراقب تشاوره مع رئيس الجمهوريّة الهادف إلى تأليف الحكومة، وهي لن تُقدِّم له أيّ مساعدة جديّة أو لا تستطيع أن تُقدِّمها قبل نجاحه في جمع فريق عملٍ حكوميّ يوحي الثقة. فقرار التأليف صار محصوراً وإن بحكم العُرف والعادة والتأييد الأعمى أو المُبصر والمُتبصِّر لـ”حزب الله” لرئيس الجمهوريّة #ميشال عون، ولا سيّما في ظلّ توقيعه الدستوري على مرسوم تأليف الحكومة، كما في ظلّ “الاتفاق” بينه وبين الرئيس المُكلَّف على هذا الموضوع وفقاً لنصٍّ دستوريٍّ أيضاً. ويبدو واضحاً جدّاً أنّ الرئيسين عون وميقاتي يُمارسان لعبة نفوذٍ قاسية رغم حرصهما معاً على إعطاء انطباع أنّ علاقتهما تختلف كليّاً عن العلاقة السلبيّة جدّاً التي كانت بين عون والرئيس المُكلَّف السابق سعد الحريري. وهذا أمرٌ لا ترتاح إليه واشنطن. كما لا يُريح فرنسا التي منحت ميقاتي تأييداً كبيراً وأبدت الاستعداد لتقديم كل ما يحتاج إليه للنجاح. يعني ذلك أنّ المساعدة التي وعدت بتقديمها له بعد التأليف ستبقى مُجرّد وعدٍ إذا عَجِزَ عن التأليف وإذا استمرّ عون بتأييد من أصدقاء فرنسا داخل “حزب الله” قادراً على اختراع العقد وفرض الشروط وميقاتي عاجزاً عن التجاوب معها رغم رغبته العارمة في النجاح. أمّا العرب فالرئيس المُكلَّف لم يكن مالئاً يده من دعمهم له رغم الكلام المُعلن ورغم استعدادهم للتعامل معه بأفضل ممّا تعاملوا مع الحريري، إذا أثبت أنّه “قدّ الحمل” ويمتلك القدرة والشجاعة لرفض الشروط والخروج بالحكومة التي تُعطي الناس أملاً في خلاص ما أو إنقاذٍ. وهم يعرفون أنّ ذلك مستحيل على ميقاتي كما على غيره إلّا إذا كانوا يريدونه أن ينتحر. والذين يعرفونه يؤكّدون أنّه يُغامر أحياناً ويُخطئ أحياناً لكنّه يترك خطوط الرجعة مفتوحة. ويؤكّدون أيضاً أنّ المرحلة الراهنة بالغة الصعوبة ولا تسمح بألاعيب أو بمغامرات كهذه.

أين أصبحت المباحثات أو بالأحرى المناورات بين رئيس الجمهوريّة والرئيس المُكلَّف؟ تُفيد معلومات مُتابعي المشاورات الحكوميّة من قرب أنّ الرئيس ميقاتي يحاول أن يقول لرئيس الجمهوريّة: أنا لست سعد الحريري ولن أكون مثله في علاقته معك كما في مواقفه السلبيّة من القضايا التي تهمُّك. لكنّ عون يتمسّك بموقفه، ويعني ذلك أنّه غير مُستعدٍّ لإعطاء ثقة قد يرى لاحقاً أنّها كانت في غير محلِّها. إذ أنّ الصراع الذي خاض مع “تيّاره الوطني الحر” وبدعم واسع من حليفه “حزب الله” مع الرئيس سعد الحريري ومعه السفير اللبناني في ألمانيا بعد تكليفه تأليف الحكومة وقبلهما مع الرئيس تمّام سلام ليس صراع أصحاب شخصيّات مُتناقضة فقط وهي كذلك، بل هو صراع إرادات محليّة طائفيّة ومذهبيّة حادّة، وصراع إرادات إقليميّة قوميّة ومذهبيّة ليس فقط على من يحكم لبنان وبأيّ صيغة وأيّ ميزان قوى طائفيّ ومذهبيّ، بل أيضاً على من تكون له الكلمة في المنطقة الآن وبعد استقرارها. وتُفيد المعلومات نفسها أيضاً أنّ عون أصرَّ ويُصرُّ على حصول الرئيس المُكلّف على موافقته على أسماء الوزراء الذين يقترحهم للحكومة. وتُفيد أيضاً أن ميقاتي أبلغ عون أنّه قبل التكليف لأنّه يريد تأليف حكومة ويريد أن ينجح حيث فشل الآخرون وفي مقدّمهم سعد الحريري.

وتُفيد ثالثاً أنّه قال لسيّد قصر بعبدا أنّه ليس مثل الحريري الذي أتى بدعم عربيٍّ محدود (الإمارات العربيّة المتّحدة) وبهدف الاعتذار في وقت مُحدّد إذا عجز عن تأليف الحكومة التي يرضى عنها جمهوره السُنّي وداعموه العرب على قلَّتهم وفرنسا ماكرون. وتُفيد رابعاً أنّ ميقاتي يُريد أن يرِث الحريري رئيس “تيّار المستقبل” سُنيّاً، وأن يكون رئيس حكومة، وأن يحكم بالتشارك مع عون أو يحكم عون من خلاله ومعه طبعاً الأقرب إليه من كلِّ الأنسباء والمناصرين النائب جبران باسيل و”حزب الله” حليفه المُتمسِّك به وحتّى بباسيل رغم الأخطاء الكثيرة التي ارتكب المُتعمّد منها وغير المُتعمّد. وتُفيد خامساً أنّ الرئيس المُكلَّف لم يكن صريحاً مع الرأي العام اللبناني عندما صرَّح ومن قصر بعبدا بعد لقاء مع رئيس الجمهوريّة أنّه اتّفق معه على إسقاط الطوائف والمذاهب على الحقائب، وهذه خطوة مُهمّة. ويبقى إسقاط الأسماء على الحقائب. هذا أمرٌ يشكُّ المتابعون أنفسهم في أن يكون تحقَّق حتّى الآن. ولا يزال ميقاتي أمام حلٍّ واحد أحدٍ هو قبول حكومة يؤلِّفها عون أو يؤلّف معظمها وتكون له فيها الكلمة الأولى أو الاعتذار ببساطة أو بمشكلة بعد تقديم تشكيلته الحكوميّة التي تُرضي جمهوره ومن رشّحوه لتأليفها إلى عون والطلب إليه توقيعها وإصدار المراسيم.

ما هو دور “حزب الله” حليف عون وباسيل الذي تمسَّك طويلاً بالحريري لكنّه لم يقُم باللازم لإنجاح مهمّته التأليفيّة على نحوٍ يُرضي جمهوره وبيئات طوائفٍ وأحزابٍ أخرى؟ “حزب الله” لن يحرق يديه، يُجيب المتابعون أنفسهم. فهو سيتفرّج ويُراقب ولن يتهاون مع أيّ محاولة تستهدفه داخليّة كانت أم خارجيّة. وهو يشعر أنّ أميركا تستهدفه مباشرة ومعه لبنان من خلال الدعوات إلى استقالة الرئيس عون أو إسقاطه التي ازدادت أخيراً وعلى لسان الرئيس سعد الحريري ورئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع. لذلك فإنّه يُراقب بدقّة ويتحسَّب ويستعدّ ولا سيّما بعدما فوجئ وغيره بسرعة تردّي الأوضاع في البلاد وانطلاق الفوضى في الشارع. وهو يعرف أنّ أسباب السرعة هي تفاقم تردّي الأوضاع وفقدان المحروقات على تنوِّعها وتفاقم تدهور الليرة والغلاء الفاحش وغياب ضمير المحتكرين والفاسدين في المجالات كلّها. لكنّه يعرف في الوقت نفسه أنّ نجاحه في إدخال باخرة إيرانيّة أو أكثر مُحمّلة بالمحروقات إلى لبنان سيمكّنه من اجتياز “القطوع” الراهن، وربّما يؤسّس لمزيد من النجاحات له في الداخل أوّلاً وربّما في المنطقة.