سمير عطا الله

…وبعدِ بُكرا يوم التلات – سمير عطالله – النهار

منذ عقود والتطور يصارع القرون الوسطى في #افغانستان. والرابح دائماً معروف سلفاً. عندما انتهت الآلة السوفياتية في موسكو بعد 70 عاماً من اكتوبر لينين، عاد كل شيء الى ما كان قبل 70 عاماً في كل الجمهوريات، وسارع الزعماء الشيوعيون الى استعادة العمائم، بينما تقدم فلاديمير بوتين حَضَرَةَ القداديس الكاتدرائية، ووضع ادوارد شفارنادزه خلفه صورة ضخمة للعذراء.

فيما كانت ولايات افغانستان تتساقط مثل أحجار الدومينو، كانت ساحات القرى وشوارع المدن تخلو من النساء. عدن الى خلف الجدران على وجه السرعة. وتقدمت قوات “#طالبان”، مموّلة بالخوّات التي فرضتها على الناس، وبالاسلحة الاميركية التي صادرتها من قوات الحكومة الهاربة، أو المستسلمة. وفرّ اهل الحكومة سريعاً، تقدمهم الرئيس اشرف غني بكل نياته الحسنة، ومع فرارهم اندثرت المعنويات، فيما تدافع “الطالبان” نحو المدن التي كانوا يتربصون على ابوابها منذ سنوات.




فيما فرّ الديبلوماسيون الاميركيون من السفارة على عجل، كان فلاديمير بوتين يعلن من الكرملين على عجل ايضاً، أنه يجب عدم فرض معتقدات “غريبة” على “طالبان”. وترجمة ذلك اعتراف سريع بالحركة التي هزمت السوفيات بعد قتال بائس دام عشر سنين و69 الف قتيل، تلته حرب اميركية دامت 20 عاماً و2,400 قتيل.

ما بين اعلان جو بايدن في نيسان ان واشنطن ملتزمة قرار الانسحاب الذي وقّعه سلفه النزق، ابتداءً من ايار، وبين اخلاء السفارة المذل، منتصف هذا الشهر، كانت الدولة الافغانية قد انتهت، ربما الى الأبد، وحركة “طالبان” قد ترسّخت، الى امد غير معروف. حركة لا تتحمل مسؤولية قانون، أو وثيقة، أو معاهدة، تفسر السياسة كما تشاء، والحياة كما تفرض، وتوزع مواطنيها على السجون الصغيرة والسجن الكبير، ولاحقاً، على جهنم أو الجنة. أي بعكس لبنان، حيث يعطى المواطنون الاعزاء جهنم اولاً. مع ختم رسمي، بالتسلم.

طبعاً، عالم هش مثل هذا العالم، كان يشاهد ما يجري ولا يصدق. مرة أخرى تنهزم اكبر قوة عسكرية واستخباراتية في العالم، امام حركة ميليشيوية، يرتدي كل واحد منها، سروالاً وعمامة مختلفة عن الآخر. وظهر بعضهم في مطار كابول بطرابيش مصنوعة على عجل، لا حواف لها. وارتدى البعض الآخر سراويل فاقعة الألوان ابتهاجاً بفرح المناسبة وغلاء المفاجأة.

وابتهج ايضاً على مقربة أو مبعدة من هذه الدولة المعلقة في الجبال، خصوم اميركا واعداؤها. الباقي يتبع. وهو لم يتأخر. فإذا انتقلت “طالبان” من حركة الى دولة، ما تعلنه من علامات وعادات القرون الوسطى. وسوف ينتقل الصراع المذهبي مع الجوار الى مراحل اكثر دموية وتخلفاً. وربما تمتد السابقة الأفغانية الى الجوار، أو ابعد منه، حيث تتحول الحركات الموازية الى حكم رسمي، ودول معترف بها جزئياً أو كلياً.

تبدو حالة لبنان مروعة الى حدود رهيبة امام انزياحات الشرق وتفكك الفوالق الزلزالية. فالدولة انزلقت من الانهيار الى العدم، وهي تتفرج على حالة الاحتضار الوطني كأنها ضيفة مدعوة الى حضور فيلم عرضٍ اول، لا شأن لها بما يحدث، وتستعد للمشي في جنازة لبنان وتلقّي التعازي، باعتبارها شريكة في المصيبة، لا في الجريمة. ولم يحدث في مكان، أو زمان، أو الف ليلة، أن كان رد الدولة على جائعي الخبز، واطفال السرطان، وقتلى محطات البنزين، واغلاق المستشفيات، وفحم العتم، وعدمية التيار، بمثل هذا الازدراء. في حالات كثيرة عاملت الدولة شعبها على انه العدو الأول ومصدر قلق ورقابة وشكوى. لكن ما نراه من احتقار للناس وعقولها وحقوقها وكرامتها الانسانية، لم يُعرف في اي مكان. لم ينقطع الدواء في البانيا انور خوجا. ولم ينقطع الحليب في اسبانيا رافائيل تروخيلو. ولم تنقطع الكهرباء تماماً في تشيلي اغوستو بينوشيه.

لا شيء من مثل هذا العدم. ويرى رئيس الجمهورية ان هذا التدهور اليومي والتحرّق عاماً بلا حكومة واسوأ ازمة اقتصادية منذ القرن التاسع عشر، وفق البنك الدولي، هو مسؤولية اتفاق الطائف وشكل النظام. ويرى الحل في تدمير لبنان وإعادة بنائه من جديد. ويقول النص الرئاسي في هذا الصدد: “بيت فيه فساد يجب ان ينظف ويهدم ويعاد تعميره”.

في غضون ذلك، يجري البحث في خطوة العمران الأولى: تشكيل حكومة، أي حكومة تخلف كواكب حسان دياب وخبراتها وشخصياتها ما فوق التاريخية. ولهذا الغرض البرلمان يسمي والرئيس يرشح. وبعد ان يرشح، يبدأ في “الاستدعاء” بحسب الانشاء الرئاسي المتأثر بالمصطلحات العسكرية.
وعندما يتم الاستدعاء، بواسطة درّاج أو أعلى، تبدأ ممارسة الدستور والميثاقية. أولاً، امتحان الصبر، ويطوّلك يا روح. وبعد اجتماعين حمل مصطفى اديب كرامته ومضى. ثم تم استدعاء الرئيس المكلف #سعد الحريري، ومعه Voice Over سرّبه القصر عن رأي الرئيس المحلّف بالرئيس المكلف. بعد 20 جلسة عابسة ومكفهرة، قرر سعد الحريري الاعتذار. وثمة من همس في صوت عال ان نجيب #ميقاتي وحده يملك الاعصاب الكافية للتكليف والتأليف، أو التوليف، معاً. فكان ان نودي عليه.

منذ اللحظة الأولى استخدم ميقاتي لغة “خط الرجعة”، أو التحسب للفشل باقناع رئيس الجمهورية أن بلده في حاجة الى حكومة. واحد يطلع الى بعبدا وينزل من بعبدا. واللبنانيون ينتظرون. وكذلك العالم. ألنبي ايوب، عليه السلام. وبدل ان يمل الميقاتي ملّ الرئيس نفسه الروتين الرتيب. وصار يرسل الى رئيس الوزراء السابق، والوزير وصاحب اعلى اصوات نيابية في طرابلس، مدير غرفة الرئاسة الدكتور انطوان شقير. بعلمك ان الدستور والميثاقية و “الرمزية المعنوية للرئاسة”، تفرض ان يشترك رئيس الجمهورية مع الرئيس المكلف في #تشكيل الحكومة، فإذا بالدكتور شقير يسجل اول سابقة في التاريخ. هو ايضاً يشكل. ولا يشكلان. يؤلف ولا يؤلفان. واما السابقة الوطنية الأخرى، فهي ان يقبل الرئيس المكلف الأمر، حتماً بداعي انقاذ لبنان. لكن هل يستحق لبنان الذي يُستدعى رؤساء حكوماته الى القصر الجمهوري نحو 40 مرة، باسم الميثاقية، أن يُنقذ؟ هل يستحق ان تكون له حكومة، بعد كل هذه الإهانات الولاّدية للموقع التنفيذي الأول؟ ولماذا حكومة يريدها العالم كله، من ماكرون الى بوتين مروراً بالرئيس المصري، لكنها لا تتناسب مع روح الميثاقية وسعة الدستور؟ وماذا ستفعل اي حكومة امام هذا التحلل، الذي ابتلى به قلب لبنان واطرافه، فلم تبقَ روح في شيء، سوى في الرفض، والرفض من جديد؟

وكان محمد عبد المطلب، رحمه الله، يغنّي على مسرح الازبكية: “السبت فات والحد فات، وبعد بكرا يوم التلات”، وعندما يشعر ان التخت الموسيقي بدأ يتململ، يعطي الاشارة للانتقال الى رائعته المشهورة، رحمه الله، “انام وانام، وانام تاني”.
بدأ الرئيس ميقاتي طريقه في لوالب التأليف بدعوة السيد جبران باسيل الى العشاء، للاستئناس برأيه في باخرة الانقاذ. باخرة من هذه البواخر الواقفة على الشط. ويا مسافر وحدك، وفايتني.

خيّل لرجل التسويات ان العشاء مفتاح الفرج. وأن المسألة قد استوت. وأن مطار الهليوكوبترات في بعبدا قد اخلي موقتاً من اجل ان تهبط عليه طائرة الروح القدس. روق. فالفوضى التشكيلية التي تعم البلاد عثرت على مكعّب جديد، بدل المربعات الماضية: بدل ان تعذب الرئيس المكلف وتنال من كرامته، توفد إليه مدير غرفة الرئاسة. لا شك في أن نجيب ميقاتي اوفر حظاً من سعد الحريري. ليس فقط في جمع المليارات، ثم حفظها، وفي حفظ كرامته ايضاً: الموفد الشخصي مدير عام غرفة الرئاسة، وليس درّاج القصر.

Don’t call us, we’ll call you. وتقال لمن يطلب عملاً ويراد افهامه ان الميثاقية لا تريده.

غاب عن رؤساء التشكيل، في ما غاب، ان هذا العرض الهيتشكوكي المضجر، ليس إهانة للرؤساء المكلفين، وإنما لكل لبناني في بلد المنشأ وبلاد الانتشار، بما فيها لاس فيغاس ودافوس. فالمفسّر الدستوري لا يكتفي بتأويل النصوص بل بلوي اعناقها تحت شعار الميثاقية. وفي ظل هذه الأخيرة، تم وأد الميثاق مثل وأد البنات في الجاهلية الأولى، وفي افغانستان اليوم. والسبت فات / والحد فات / وبعد بكرا يوم التلات!