عشرات من المُعلَّقين بأجهزة التنفس معرضون للموت.. هل يشهد لبنان مذبحة جراء نقص الوقود؟

أربعة ملايين شخص ربما يفقدون قدرتهم على الوصول إلى ماءٍ نظيف خلال الأيام القليلة المقبلة، ومئات الأشخاص معرضون للموت جراء احتمال تعرض نظام الصحة اللبناني إلى الانهيار.

جاءت هذه التحذيرات من الأمم المتحدة ومن مسؤولين دوليين ومحليين لتُظهر أن هذا البلد العربي الصغير بات على مشارف أسوأ انهيارٍ اقتصادي في الـ150 عاماً الأخيرة بحسب البنك الدولي، وهي أزمة سيكون أبرز ضحاياها نظام الصحة اللبناني.




وشهدت الأزمة، التي تعود جذورها إلى عقودٍ من الفساد وسوء الإدارة، فقدان عملة البلاد لـ90% من قيمتها، ما أدّى إلى نقصٍ هائل في السلع الأساسية المستوردة مثل الديزل والأدوية، وذلك في خضم الجائحة، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Independent البريطانية.

ويأتي ذلك في ظل جدل حول قرار حزب الله استيراد المحروقات من إيران، حيث يرى معارضون أن هذه الخطوة سوف تؤدي إلى فرض عقوبات أمريكية تزيد أزمات البلاد تعقيداً.

المستشفيات لا يوجد بها وقود

في مشهد مريع لحال نظام الصحة اللبناني، قال مدير المنشأة الأساسية لعلاج فيروس كورونا في لبنان، مستشفى رفيق الحريري الجامعي، فراس أبيض، لصحيفة The Independent إنّ الإمدادات الطبية الأساسية، مثل أدوية السرطان والمضادات الحيوية، بدأت تتراجع. وهذا يعني أنّ المراكز الطبية حول البلاد قد اضطرت لتعطيل بعض علاجاتها، ما يعرض حياة الناس للخطر.

وازدادت الأوضاع سوءاً نتيجة حقيقة أنّ المستشفى- على غرار المستشفيات الأخرى- لم يكن لديه تيارٌ كهربائي أساسي طيلة الأسبوع الماضي، ما اضطره إلى التشغيل بالكامل اعتماداً على مولدات الديزل. ويُباع الديزل بخمسة أضعاف سعره الرسمي في السوق السوداء، وقد شارفت إمداداته على النفاد، لذا اعتمد المستشفى نظاماً لتوزيع الكهرباء مع تقليل سعة الأسرّة بنسبة 15%.

حيث قال أبيض: “هناك نقصٌ في الديزل، ونقصٌ في الوقود، ونقصٌ في الأدوية، ونقصٌ في الموظفين. لقد اضطررنا لتعطيل علاج مرضى السرطان بسبب قلة الأدوية، لكنها أزمةٌ لا تُقارب في حجمها أزمة الوقود”.

كما حالت أزمات نقص الوقود المزمنة دون وصول المسعفين إلى عملهم في الوقت المناسب، بينما يُعاني المستشفى بالفعل من نقصٍ في الموظفين، حيث انتقل ثُلث الأطباء و15% من طاقم التمريض في مستشفى رفيق الحريري إلى خارج البلاد العام الماضي بسبب تردّي الأوضاع.

وأضاف أبيض: “لا نزال في مرحلة السقوط الحر، بل ونتسارع أكثر في الواقع، وإذا حاولت حلّ أحد جوانب المشكلة فسيأتي جانبٌ آخر ليُهمن على الأوضاع”.

مستشفى الجامعة الأمريكية كاد يوقف أجهزة التنفس الصناعي

وتأتي تحذيرات أبيض قبل نحو أسبوع من نشر المركز الطبي في الجامعة الأمريكية في بيروت نداءً من أجل الوقود على الشبكات الاجتماعية، حيث قال المركز الطبي إنّه سيُجبر على إغلاق مولداته بدون الوقود، ما سيؤدي إلى مقتل عشرات الأشخاص على أجهزة التنفس الاصطناعي، ونحو 200 شخص بحاجةٍ إلى غسيل الكلى. وقد تمكّن المركز الطبي من جمع الديزل اللازم للمولدات قبل يومٍ واحد فقط من انقطاع التيار بالكامل.

كما أخبر مديرو المركز الصحيفة البريطانية بأنّهم يخزنون المياه، وسط تحذيرات من الأمم المتحدة أنّ هناك أربعة ملايين من أصل ستة ملايين شخص سيفقدون وصولهم إلى الماء النظيف خلال الأيام المقبلة، وذلك بعد أن قطعت مؤسسة كهرباء لبنان التيار الرئيسي عن خطوط الطاقة الأساسية المخصصة لسلطات المياه.

وخلال نهاية الأسبوع، دعت الرئيسة التنفيذية لمنظمة اليونسيف هنرييتا فور إلى عودة إمدادات الطاقة فوراً، لأنّها الطريقة الوحيدة لحل الأزمة.

وأردفت: “في الشهر الماضي، حذّرت اليونسيف من أنّ أكثر من 71% من الشعب اللبناني قد يُواجهون مشكلة انقطاع المياه الصيف الجاري. وقد ساعد هذا الموقف في استمرار الوضع المقلق منذ ذلك الحين، مع تعرض الخدمات الأساسية مثل المياه والصرف الصحي وشبكات الطاقة والرعاية الصحية لضغوطات كبرى”.

النظام الصحي اللبناني على وشك الانهيار، والمياه ستتوقف

وقد توافقت كلماتها مع تصريحات منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان نجاة رشدي قبلها بأسبوع، حين حذّرت من أن أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي اضطرت لتقليص عملياتها، ما يُعرض النظام البيئي والصحة العامة للخطر.

وكانت الأزمة المالية المتصاعدة في البلاد قد أثارت احتجاجات عام 2019، ويقول الخبراء إن سببها هو الفساد المستشري والمحسوبية وانعدام الكفاءة.

وجاء وصول الجائحة ليزيد المشكلات تفاقماً وخاصة فيما يتعلق بوضع نظام الصحة اللبناني، وساءت الأمور عندما دمر أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم مساحات شاسعة من العاصمة بيروت، في أغسطس/آب الماضي، والذي وقع إثر انفجار مواد مخزنة منذ سنوات في مرفأ بيروت.

وقد استقالت الحكومة اللبنانية بعد فترةٍ وجيزة من الانفجار، ولكن النخب السياسية الحاكمة فشلت في الاتفاق على تشكيل الحكومة الجديدة عقب مرور أكثر من عام، مما ترك لبنان بلا دفة قيادة خلال انهياره.

ومع نفاد احتياطيات النقد الأجنبي، اضطرت السلطات المؤقتة لخفض الدعم، وخاصةً على الوقود، ما أدى إلى حدوث نقصٍ حادٍّ في كمياته وارتفاع أسعاره بنسبة 66%.

ووسط كل هذا البؤس، يكافح المواطنون من أجل تمضية يومهم، بينما يعتمد العديدون على المساعدات من خارج البلاد.

مرضى السرطان أمام خطر محدق

كما يوجد نقص حاد في أدوية السرطان باهظة الثمن، لدرجة أنّ المرضى وعائلاتهم قد دعوا إلى اعتصامٍ أمام مبنى لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا في بيروت.

إذ قال هاني نصار، من جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان، التي دعت للاحتجاج: “حتى الآن مات ثلاثة من مرضى السرطان الذين ندعمهم لعدم حصولهم على العلاج طيلة شهرٍ ونصف الشهر. إنّها مذبحة، لدينا الآلاف من مرضى السرطان في لبنان، وسوف يموتون إذا لم يحصلوا على العلاج”.