واشنطن لن تترك “حزب الله” يسيطر على لبنان

أحمد عياش – النهار

كم هناك شبه في لبنان اليوم وتشيلي وباكستان بالأمس عندما أدى شلل وسائل النقل في كل من البلدين الى انقلاب عسكري وإعدام كل من الرئيس التشيلياني سيلفادور أليندي عام 1973 والرئيس الباكستاني ذو الفقار علي بوتو في العام نفسه. ولربما يكون شلل النقل في لبنان حاليا اكثر تماديا وأشد من البلدين المشار اليهما. لكن مع ذلك يقول وزير سابق لـ”النهار” ان إنقلابا عسكريا هنا ليس واردا حتى لو أرادت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ذلك، كما فعلت عندما دبّرت الانقلابين المشار اليهما ونجحت. والسبب، في رأي الوزير السابق، هو ان الجيش اللبناني بسبب تركيبته الطائفية غير قادر عموما على القيام بهذه المهمة التي نجحت في مناطق عدة في العالم، وتحديدا في عدد كبير من بلدان المنطقة. ناهيك بان “#حزب الله” بقدراته المعروفة لن يكون بمقدور الجيش اللبناني مواجهته بقدراته المحدودة حتى لو بقي موحدا، وهذا الجيش لن ينجح في إنقلابه إذا ما تصدّى له الحزب.




يستدرك المصدر نفسه قائلا: “لا يعني هذا الكلام ان الولايات المتحدة تخلّت عن لبنان حتى لو بدت فكرة الانقلاب العسكري في هذا البلد مستبعدة. وهناك الكثير من الأسباب التي تجعل واشنطن في موقع رفض نهاية تكوين لبنان القائم على التنوع والاقتصاد الحر وغير المنتمي الى الاحلاف التي تنتمي الى جهات معارضة للغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا. وعلى رغم التحولات التي يمرّ بها لبنان بسبب الازمات التي يغرق فيها ما أدى الى ألّا يكون لبنان مستشفى الشرق كما كان (باستثناء العراقيين الذين يستمرون بالاستشفاء في لبنان)، كما أنه لم يعد مطبعة او جامعة او مصرف الشرق كما كان، إلا انه ما زال يتمتع بميزة حريات لم يعرفها الشرق بعد. وهذه الميزة ستكفل للبنان دورا في المنطقة عندما تزول الأسباب المانعة له حاليا”.

لا يتأخر الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله عن تبنّي كلام الوزير السابق ولكن على طريقته. ففي الكلمة الأخيرة التي ادلى بها مساء الاحد في ذكرى أسبوع قيادي في الحزب من الجيل المؤسس هو عباس اليتامى، يرسم نصرالله صورة كاملة للموقف الأميركي المناهض لوجود الحزب بالشكل الذي هو عليه اليوم. ويقول: “الهدف (هو) المقاومة والوطنيون في لبنان الذين يريدونه خارج الهيمنة الأميركية، والذي يدير هذه المعركة هي السفارة الأميركية وسفراؤها المتعاقبون وليس فقط السفيرة الحالية، من أول يوم في 2005”. ان إشارة نصرالله الى عام 2005 تحديدا تعني تاريخ زوال نفوذ سوريا في لبنان وبدء نفوذ إيران ممثلا بالحزب.

في المقارنة ما بين الزمن السوري الذي نال غطاء داخليا وعربيا ودوليا بالاجماع بعد اتفاق الطائف أواخر عام 1989، واستمر في لبنان قرابة 16 عاما وانتهى باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبين الزمن الإيراني الذي دخل عامه السادس عشر هذه السنة، ستبرز فوارق حادة. أبرز هذه الفوارق ان النظام السوري رحل وكان لبنان في زمن ازدهار. في حين ان لبنان في ظل النفوذ الإيراني في زمن انهيار. ويبرر نصرالله في كلمته الأخيرة هذا الانهيار قائلا: “هم (الاميركيون) والسعودية عملوا خلال السنوات الماضية لافتعال حرب أهلية في لبنان لكنهم فشلوا… البديل هو التفتيت، وهو ما يعمل عليه من 17 تشرين 2019 الى اليوم”.

وأضاف: “عندما يئس الأميركيون والإدارات المتعاقبة ومن معها من دول إقليمية، وبعدما انفقوا 30 مليار دولار أقل شيء باعترافهم هم، على هذه الأحزاب والقوى السياسية، ولم تستطع أن تخدم المشروع الذي هم يريدونه، يئسوا من الأحزاب وذهبوا الى جمعيات ما يسمى الـ NGOS ، جمعيات المجتمع المدني”.
ما يمكن مقارنته أيضا كيف كانت لهجة نصرالله مباشرة بعد 17 تشرين الأول عام 2019 وكيف أصبحت اليوم. من يعد الى كلمة نصرالله بعد ذلك اليوم يلاحظ الهدوء فيها. أما اليوم، فبدا الاخير في غاية التوتر. لم يبدر عن نصرالله سابقا مثل هذه الاتهامات التي يوجهها اليوم الى منظمات المجتمع المدني. وهو بلسانه يتحدث عن تردي الأحوال الذي بلغته معيشة اللبنانيين، ولا فرق هنا بين بيئة المقاومة كما يقول وبين سائر البيئات المكوّنة للبنان.

لن يجيب نصرالله على سؤال إذا ما وجّه اليه: لماذا عرف لبنان في زمن الوصاية السورية بعد اتفاق الطائف إزدهارا، فيما يشهد في زمن النفوذ الإيراني المساوي في الأعوام للزمن السابق إنهيارا؟ ان جوابا موضوعيا سيؤدي حكما الى الحديث عن الدور العربي في إعادة إعمار لبنان بعد حرب عام 1975 من خلال ما قام به الرئيس الراحل رفيق الحريري. هذا الدور الذي انتهى اليوم باعتراف نصرالله سببه نفوذ إيران الذي عزل لبنان عن عالمه العربي.

خلاصة ما قاله نصرالله بالأمس انه باق على سلاحه في لبنان، مقدما مخرجا باستجرار الوقود الإيراني الذي بدأت سفنه تتحرّك نحو لبنان. وهذا يعني بحسب نصرالله الاستمرار في الذهاب في الاتجاه نفسه الذي أدى الى انهيار لبنان. وفي تقدير الوزير السابق ان “حزب الله” بات مشروعا فاقد الفعالية في هذا البلد. وتساءل: “ألا تكفي 16 عاما للاعتراف بهذه النتيجة؟”.

من يريد ان يقتنع بنظرية المؤامرة التي شرحها نصرالله فهناك تاريخ حافل يمكن العودة اليه على غرار ما حصل في تشيلي وباكستان. لكن من يريد ان يشكك فلديه سجل حافل من الفشل تسبب به “حزب الله” بإدارة نصرالله منذ التسعينات وبلغ ذروته بوصول مرشحه الى رئاسة الجمهورية عام 2016.