ماذا تفعل يا نجيب؟

عقل العويط – النهار

بلا مقدّمات، وبلا مجاملات، وبلا ألقاب، لكن مع حفظ واجب التحفّظ والاحترام: فَهِّمْني يا نجيب، وفَهِّمْ هؤلاء الناس، أحقًّا أنتَ مقتنعٌ بأنّكِ تريد تأليف حكومة تنقذ البلاد من الانهيار؟! فلأسلِّمْ جدلًا، ولنسلِّمْ أجمعين، بأنّكَ مقتنعٌ بذلك (أيعقل أنْ تكون مقتنعًا بذلك؟ علمًا أنّ ذلك شبه مستحيل، بل مستحيل. فما عُرِف عنكَ من انتماءٍ حتّى العظم إلى هذه الطبقة السياسيّة، وما عُرِف عنكَ من دهاءٍ سياسيّ، لا بدّ أنْ يكون قد مكّنكَ من اكتناه سرِّ “شريكك” في التأليف، وسرّ أمراء الطوائف والمذاهب والأحزاب، وسرّ هذه الطبقة السياسيّة التي أنتَ منها وفيها). فهل من المعقول أنْ تكون مقتنعًا بمَن أنتَ لستَ هو، وبما أنتَ لستَ مقتنعًا به، في الأساس؟ تاليًا، هل من المعقول تحقيق الإنقاذ برئيس حكومة ووزراء (يحظون ببركة الطبقة السياسيّة الفاسدة) تمنحهم الثقةَ هذه الطبقة السياسيّة الفاسدة (من خلال مجلسٍ للنوّاب يُقال (بدّها حكي؟!) إنّه يتألّف من أحزابٍ وتيّاراتٍ ومكوّناتٍ سياسيّة وصل فسادها إلى مسامع السماء)؟!




قلْ لي ماذا تفعل، وماذا ستفعل، يا نجيب؟ ألا تكفيكَ زياراتك المتكرّرة للقصر الجمهوريّ، التي صارت مسخرة الذين – في العادة – لا يسخرون، وأضحوكة الذين – في العادة – لا يضحكون؟ قلْ لي، ماذا ستفعل بوزارة الداخليّة؟ بوزارة العدل؟ بوزارة الطاقة؟ بوزارة المال؟ بوزارة الدفاع؟ بوزارة الخارجيّة؟ بوزارة الصحّة؟ و… بالوزراء المسيحيّين؟ قلْ لي بصراحة، هل أنتَ الذي سيؤلّف الحكومة، يا نجيب؟! وما دمتُ أتذكّر، قل لي ماذا ستفعل بالكهرباء (24 عَ 24؟)؟ بتفجير المرفأ؟ بالقتلى؟ بالضحايا؟ برجال الإطفاء؟ بالمصارف؟ بالحاكم؟ بأموال المودعين؟ بالمال الاحتياطيّ؟ هل يجب أنْ أسألكَ ماذا ستفعل بمسألة التهريب إلى سوريا؟ عن جدّ، قلْ لي ماذا ستفعل بجبران باسيل، وبعلي حسن خليل (على سبيل المثل لا الحصر)؟ وهل يجب أنْ أسألكَ عن “حزب الله”، وسلاحه، وبنزينه؟ وماذا عن نبيه برّي؟ وعن جنبلاط وفرنجيّة وإرسلان وجعجع… والقضاء السيّد الحرّ المنزَّه والمستقلّ؟ هل أغضّ السؤال والطرف عن دار الإفتاء ورؤساء الحكومات السابقين والطائفة السنّيّة (أنسيتَ طرابلس وعكّار والضنّيّة، يا نجيب؟!)؟

قلْ بالفم الملآن ماذا ستفعل بالناس الأوادم، بالأرامل، باليتامى، بالأطفال، بالفقراء، بالموجوعين، بالمنتظرين علبة دواء، ورغيف خبز، وتنكة بنزين، وزجاجة ماء؟
ليتكَ تقول ماذا ستفعل بكلّ هذه الأمور، وبكلّ هذه القضايا، وبكلّ هؤلاء الناس، وأنتَ “تكافح” من أجل تأليف حكومتكَ الإنقاذيّة الموعودة (أإنقاذيّة وموعودة؟!). هل فكّرتَ في الانتخابات النيابيّة والرئاسيّة المقبلة، وأنتَ تحاول التأليف؟

وبعد، أكان ينبغي لكَ أنْ تجرّب لكي تفهم، وتصل إلى ما وصل إليه غيركَ؟ لا أقصد فقط ما وصل إليه رؤساء الحكومات المكلّفون والمعتذرون والمستقيلون في هذا العهد فحسب، بل أقصد أيضًا وخصوصًا كلّ الذين واللواتي كانوا يحلمون بالتيّار القويّ والرئيس القويّ والعهد القويّ، وكلّ مَن كان ينادي بالإصلاح والتغيير، بل – أيضًا وأيضًا – أقصد الناس الطيّبين والأحرار والثوّار أجمعين.

عجيبٌ – والله – أمركَ، يا نجيب.

استدراك: في آخر المطاف، مَن يدري، فقد أراكَ لن تتردّد في تأليف حكومةٍ – ما – على رغم فداحة (وفجاعة) ما طرحتُ عليكَ من أسئلة. فأنتَ، ولا شكّ، قادرٌ، بطول أناتكِ، وبمواهبكَ (وبقامتكَ) المديدة، على أنْ تكون كثير “المخارج”، شديد المرونة والطواعيّة، لتدوير الزوايا والدوائر المدوّرة، وما سوى ذلك من ترّهات.
في الأخير، سؤالٌ شخصيّ – عموميّ (بتحفّظ وباحترام): أنا في حاجةٍ ماسّة إلى الـ deposit (هل تتذكّر؟!)، فكيف أستردُّ الـdeposit يا نجيب؟!