خطر العقوبات.. حزب الله يثقل كاهل لبنان بسفن النفط الإيرانية

يدخل لبنان فعليا في معركة جديدة لا تقل ضراوة عن سابقاتها مع تنفيذ حزب الله خططه لجلب النفط الإيراني بحجة تعويض النقص في السوق المحلية، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام النداءات المتنامية التي تحذّر من خطورة تلك الخطوة على لبنان داخليا وخارجيا.

ويعيش البلد على وقع أزمة اقتصادية حادة منذ أكثر من عامين وسط انسداد الأفق السياسي على صعيد التشكيل الحكومي والانفجارين في بيروت -انفجار العام الماضي وانفجار عكار مؤخرا- وتداعياتهما على الوضع الأمني الداخلي.




ولا تخفي الأطراف السياسية الفاعلة في لبنان خشيتها من التداعيات السلبية المدمرة للاقتصاد الوطني التي ستترتب على قرار حزب الله جلب سفن نفطية إيرانية، خاصة في ضوء إمكانية فرض عقوبات أميركية على البلد الغارق في الأزمات.

ويقول مراقبون إن مراهنة أمين عام حزب الله حسن نصرالله على إيران لسد الاحتياجات اللبنانية من المحروقات غايتها التنفيس عن الداعم الرئيسي للحزب في طهران وأيضا وضع لبنان رهينة في دائرة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

لبنان يعيش على وقع أزمة اقتصادية حادة منذ أكثر من عامين وسط انسداد الأفق السياسي على صعيد التشكيل الحكومي والانفجارين في بيروت وتداعياتهما على الوضع الأمني الداخلي

وبشّر أمين عام حزب الله بأن لبنان يمكنه الاستعانة بشركات إيرانية للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية اللبنانية واستخراجه. وبدا ذلك التصريح للبعض “شعبويّا” يستهدف إيصال رسائل إلى إسرائيل، لكنه لا يقل خطورة من ناحية تسليم لبنان إلى إيران على طبق حسب رأي آخرين.

وسيفتح وصول السفن الإيرانية فصلا جديدا من فصول الأزمة المالية التي فشلت الدولة اللبنانية وأطراف الحكم -ومنها حزب الله- في علاجها في ظل نقص الوقود الحاد، والذي يعود جزء أساسي منه إلى عمليات التهريب عبر الحدود والاحتكار وسوء الإدارة من طرف الأطراف السياسية الحاكمة.

وتتجه الأنظار في لبنان إلى السفينة الإيرانية المحملة بالوقود، التي وعد أمين عام حزب الله بالمزيد من السفن المشابهة لها في حال مرت بسلام عبر البحر المتوسط إلى البلد.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده الاثنين أن بلاده على استعداد لشحن المزيد من الوقود إلى لبنان إذا اقتضت الضرورة، وذلك بعد يوم من تصريح نصرالله الذي تحدث فيه عن أن المزيد من سفن النفط الإيراني ستبحر قريبا.

وتقول وكالة نور للأنباء -وهي وكالة إيرانية شبه رسمية- إن “شحنات الوقود الإيرانية للبنان اشتراها رجال أعمال شيعة لبنانيون”. وقال خطيب زاده إن بلاده مستعدة لأن تبيع للحكومة اللبنانية المزيد من الوقود.

وقبيل إعلانه الأخير تحدث أمين عام حزب الله مرارا عن عقوبات أميركية وفرْض حصار خارجي على لبنان، إلى جانب الأزمة الداخلية وفشل معالجتها، لكنه يرفض تحميل الحزب مسؤولية الأزمات المتفاقمة على المستويين السياسي والاقتصادي في البلد منذ أكثر من عامين.

ويقول خبراء إن وصول السفينة الإيرانية قد يستغرق ما بين ثمانية واثنى عشر يوما في حال سلكت خط قناة السويس، وأربعين يوما إن اتخذت قسرا طريق الرجاء الصالح جنوب أفريقيا ومنه إلى مضيق جبل طارق.

تبعات سياسية

ينظر إلى خطوة حزب الله على أن لها تبعات سياسية تتعلق بالوضع اللبناني وعدم تحمل البلد تداعيات الوقوع في دائرة العقوبات الغربية، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي الذي أطاح بالعملة الوطنية ووجود أربعة من كل خمسة أشخاص في لبنان تحت خطر الفقر.

ورأى رئيس تيار المستقبل ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري أن سفن الدعم الإيرانية ستحمل معها إلى اللبنانيين مخاطر وعقوبات، كما اتهم طهران بالعمل على تعطيل تأليف الحكومة بهذه الخطوة.

أما رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع فقد اعتبر أن ما يقوم به حزب الله غير قانوني دوليا ويعرّض لبنان لكارثة حقيقية، متخوفا من إمكانية أن يصادر الحزب القرار الاقتصادي للبلاد، بعدما صادر سابقا القرارين العسكري والأمني.

وكتبت لينا الخطيب، الباحثة اللبنانية ومديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس الملكي البريطاني للشؤون الدولية، أن حزب الله يتمتع بالسيطرة الفعلية على الحدود مع سوريا ويستخدم ميناء بيروت للتجارة غير المشروعة داخل لبنان وخارجه دون إشراف أو تدخل من الدولة.

وترى الخطيب أن الحزب، الذي تأسس عام 1982، يمارس هيمنته على الدولة اللبنانية من خلال سيطرته على تحالف 8 آذار، بالإضافة إلى البنية السياسية المعيبة وغير العادية في لبنان والتي تسمح للحزب الموالي لإيران بممارسة قوة هائلة داخل البلد.

ويتوقع مراقبون أن يسبّب قرار حزب الله -وبدعم من الحلفاء- للبنان أزمة جديدة في حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات أو في حال كانت هناك تداعيات سلبية على صعيد ملفات الحكومة والوضعين السياسي والاقتصادي.

عقوبات وتعطيل

يقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني منير ربيع إن السفينة الإيرانية “قد لا يكون لها تأثير مباشر على عملية تشكيل الحكومة اللبنانية، لكنها قد تؤثر على صعيد مهمة رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي وعلاقته بالأميركيين والفرنسيين”.

ويضيف ربيع أن السفينة الإيرانية قد تعسّر مهمة ميقاتي الذي يراهن على دعم واشنطن، وقد تجعله هذه التطورات متردداً في تقديم التنازلات لصالح الرئيس ميشال عون حليف حزب الله.

وفي السادس والعشرين من يوليو الماضي كُلف ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة خلفا لحكومة تصريف الأعمال التي استقالت بعد ستة أيام على انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس من العام الماضي، ومنذ ذلك الحين يعجز لبنان عن تشكيل حكومة جديدة. وبقي الحريري نحو تسعة أشهر في سجالات وخلافات مع عون حول شكل الحكومة قبل الاعتذار عن تشكيلها.

يقول الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق ترشيشي إن “ميقاتي وعون يدركان أن الوقت ليس في صالحهما؛ ليس فقط من زاوية احتقان الشارع الغاضب عليهما بفعل التأخر المستمر في تأليف الحكومة، وإنما من ناحية منسوب الضغوط الآخذ في الارتفاع ضد الرئيس المكلف من نادي رؤساء الحكومات السابقين وبيئته، وترويج أن رئيس الجمهورية لا يريد شريكا سنيا وأن ما حصل مع مصطفى أديب والحريري سيتكرر مع ميقاتي”.

ويرى ترشيشي، في مقال نشرته صحيفة “الجمهورية” اللبنانية، أن “الإشارة التي أعطتها واشنطن من خلال إعلان اهتمامها بإمداد لبنان بالغاز من مصر والكهرباء من الأردن تريد أن تؤكّد من خلالها أنّها حريصة على الاستقرار اللبناني، ما يعني دعمها لتشكيل حكومة قادرة على قيادة البلد، كذلك دعمها للمساعي الفرنسية التي دخلت مجدداً على خط الدفع لإنهاء الفراغ”.

ومن جهته يقول الأستاذ في القانون الدولي بول مرقص إن “استيراد الوقود من إيران دون الحصول على إعفاء خاص من وزارة الخزانة الأميركية قد يضع البلاد تحت خطر العقوبات الأميركية سواء ضد أفراد أو ضد مؤسسات”.

ولفت مرقص إلى أن السلطات الأميركية تفرض منذ 2018 عقوبات على كل من يعقد صفقات مع شركات النفط الإيرانية سواء تعلق الأمر بالشراء أو الحيازة أو البيع أو النقل أو التسويق. إلا أن عملية الاستيراد يمكن أن تتمّ دون أي عواقب إذا حصل لبنان على إعفاء خاص من هذه العقوبات وذلك عبر تقديم الدولة اللبنانية طلب إعفاء أو استثناء من قبل وزارة الخزانة الأميركية.