هل “يعرّي” ميقاتي نفسه سياسياً إرضاءً لعون وباسيل؟

سركيس نعوم – النهار

لم يكن #نجيب ميقاتي ليُصبح رئيساً مكلّفاً تأليف الحكومة لو لم يحصل ومنذ البداية على تأييد رئيس مجلس النواب وشريك “حزب الله” في “الثنائية الشيعية”. لهذا السبب فإنه لا يستطيع أن يماشي رئيس الجمهورية ورئيس “تياره الوطني الحر” جبران #باسيل أو بالأحرى أن يلبي طلباتهما الاستيزارية والأخرى ذات البعد السياسي التي تستهدف بري. فالأخير لديه كتلة نيابية كبيرة وهو يستطيع أن يختلف مع حليفه وشريكه الشيعي على موضوعات سياسية ومنها تأليف الحكومة ومهماتها، وأن يتخذ في النهاية مواقف مناقضة لمواقفه، وقد فعل ذلك عملياً يوم لم ينتخب وكتلته النيابية المرشّح ميشال #عون رئيساً للجمهورية. قدرته هذه نابعة من اقتناعه وشريكه أي “الحزب” بمسلمات سياسية وطنية وشيعية في آن واحد، ومن قرار استراتيجي اتخذه الإثنان بعدم الاختلاف وتالياً فضّ الشراكة بينهما، إذ أن ذلك لا بد أن ينعكس سلباً ليس عليهما فقط بل على البيئة الحاضنة لهما أي الطائفة الشيعية التي تخوض سواء اعترفت بذلك أو لم تعترف معركة وجود بعد اصطفافها الى جانب إيران الإسلامية الشيعية، واشتراكها معها في مواجهة النظام السنّي العربي والنظام الإقليمي الذي تأسّس بعد الحرب العالمية الأولى أو في أثنائها، والغرب بعد انتقال زعامته الى الولايات المتحدة.




انطلاقاً من ذلك يشعر ميقاتي أو لا بد أن يكون بدأ يشعر بحرج كبير. فهو لا يستطيع الاشتراك في استهداف بري كرمى لعون وباسيل لأنه يعرف أنه ليس حبتين وأنه سيردّ له الصاع صاعين. وتجربة الرئيس حسان دياب معروفة، إذ فرض عليه تقديم استقالة حكومته بعدما تجرّأ وبقرار من عندياته على الإعلان أنه قرّر إجراء انتخابات نيابية مبكرة من دون التشاور مع رئاسة مجلس النواب والكتل الوازنة فيه والمرجعيات الدستورية والسياسية والحزبية. وميقاتي لا يرغب أبداً في تعريض نفسه لموقف كهذا. فضلاً عن أنه يعرف تمام المعرفة أن خيوط ودّ كثيرة تصل بين الذين رشّحوه لتأليف الحكومة وأولهم نادي رؤساء الحكومة السابقين وفي مقدمهم سعد الحريري وبين بري الذي يعتبرونه أقرب إليهم مما هو الى شريكه “حزب الله”. أسباب ذلك متنوّعة أبرزها كونه سياسياً غير عقائدي يؤمن بالتسويات ولا يؤمن بالإيديولوجيات الغيبية، ويعرف لبنان ما قبل حرب 1975 الذي كانت له حسنات عدّة رغم حاجته الى الإصلاح في حينه. وهذا أمرٌ لا بد أن يقف دائماً بين ميقاتي وعون. الى ذلك يعتقد المتابعون لحركة الرئيس المكلّف ورئيس الدولة و”ولي عهده” أن هناك عقبة أخرى غير الموقف السلبي للأخيرين من بري تزيد من صعوبات تأليف الحكومة، وهي مصير حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يبدو أن عون صار مصمماً على التخلّص منه.

أبرز دليل على ذلك الرسالة الرئاسية الأخيرة التي وجهها الى مجلس النواب، والتي لم تنل استحسان غالبية أعضائه وتالياً موافقتها. إذ في أول إجتماع بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تحدّث الأول عن ضرورة محاسبة سلامة والتمسّك بالتحقيق الجنائي الذي يطاله وضرورة القيام بكل ما يجب لبدئه، وإقالته من موقعه والبحث الجدّي عن شخصية متمكّنة تحل مكانه. علماً أن المعلومات المتوافرة عند هؤلاء المتابعين تشير الى قرار بسجن أو بالأحرى بتوقيف سلامة اتخذه القضاء المعني وبطلب أو ربما بضغط من قصر بعبدا. لكن أُرجئ تنفيذه لأسباب عدّة ليس لمدة طويلة بل لشهر أيلول المقبل. هذا الموضوع يدفع البعض الى طرح السؤال الآتي: هل كان قرار سلامة رفع الدعم عن المحروقات وتمسّكه به رغم رفض رئيس الجمهورية له رداً على تيقّنه من اتخاذ عون قراراً نهائياً بالتخلّص منه سواء بالحسنى أو بالسجن ومن ثم القضاء؟ ربما يكون الجواب نعم. لكن لا بد من انتظار تطورات هذه القضية لمعرفة الجواب النهائي عن هذا الأمر. علماً أن لدى كل من الإثنين أي عون وسلامة من المستمسكات على بعضهما الكثير. فهل من مصلحتهما فتح باب نشرها على الملأ؟ علماً أن الإثنين بموقفيهما ومعهما أصحاب المواقع الأولى الأخرى في الدولة وخارجها يعرفون أن “وسخ” فتح الملفات لن يوفّر أحداً من هؤلاء. طبعاً اللبنانيون الذي تسبّبت المنظومة الحاكمة والمنظومة السياسية بظلمهم وإفقارهم وبالفوضى لا يمانعون في نشر “الغسيل الوسخ” لأركانهما. لكن هل يكفي النشر وحده؟

وهل هناك جهات شيعية مهمة سياسية مهيّأة للإفادة من ذلك وتالياً لأخذ لبنان نحو وضع جديد لا مكان فيه للسمسرات والكومبينات والفساد والسرقة والهدر والمتاجرة بالوطن؟ في هذا المجال يتبادر الى الأذهان سؤال هو: هل يستطيع ميقاتي الاتفاق مع عون على ملاحقة سلامة الذي يدافع عنه الرئيس الحريري وهو من سمّاه وزكّاه لتأليف الحكومة مع نادي رؤساء الحكومة السابقين ومعهم ربما رئيس مجلس النواب؟ وهل يستطيع القضاء المسيّس بل الخاضع للسلطة الحاكمة أن يقوم بالتحقيقات اللازمة والعميقة لمعرفة الإرتكابات التي أودت بالإقتصاد والليرة والمصارف وأموال اللبنانيين المودعة فيها؟ بالأحرى هل يُمنح الحرية للقيام بذلك أم يمنع منه؟ ألا يجب أن يسأل القضاء الرئيس عون لماذا قرّر إقالة سلامة من حاكمية مصرف لبنان قبيل انتهاء ولايته الرابعة وأبلغ أعضاء حكومته بذلك، ثم عاد عنه بعد زيارة الحاكم له في قصر بعبدا قبل اجتماع مجلس الوزراء الذي كان سيتخذ قرار الإقالة الأمر الذي فاجئ الوزراء وربما أدهشهم؟ ألا يجب أن يُسائل القضاء الحاكم عن التطمينات غير الصحيحة بأن “الليرة بخير” وأيضاً رئيس الدولة بعد تبنيه كلامه وتعميمه إياه على الناس الأمر الذي عزّز الثقة في المصارف ومصرف لبنان والدولة، وكان ذلك في غير محلّه؟ في النهاية يتردّد استناداً الى المتابعين أن اقتناع ميقاتي باستحالة تأليف الحكومة لن يدفعه الى الإعتذار كما يتوقّع كثيرون بل الى وضع حكومة وتسليمها رسمياً الى رئيس الجمهورية والذهاب الى بيته فإما يوقّعها وإما يمتنع عن ذلك وعندها تكون كل الاحتمالات واردة فهل وصل الرئيس المكلّف ميقاتي الى هذه المرحلة؟ المعلومات المتوافرة تجيب أنه لم يعد بعيداً منها.