اللبنانيون يواجهون الجحيم بسبب الأزمات المعيشية المتصاعدة

لم يكن ينقص اللبنانيين إلا أن ُيضاف إلى مجموعة أزماتهم المتراكمة نقص حاد في المياه وهو ما يجعل هؤلاء يواجهون جحيما على وجه الأرض خاصة أن البلد مستمر في الانهيار اقتصاديا.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في بيان إن أكثر من أربعة ملايين لبناني قد يواجهون نقصا حادا في المياه أو قد تنقطع المياه عنهم تماما خلال أيام وذلك بسبب أزمة الوقود الشديدة.




ويعيش لبنان انهيارا ماليا منذ عامين حيث يؤدي نقص الوقود والبنزين إلى انقطاع الكهرباء لفترات ممتدة ووقوف طوابير طويلة في محطات الوقود القليلة التي لا تزال تعمل.

وأقر الرئيس اللبناني ميشال عون السبت في كلمة له بتدهور الأوضاع، محملا المسؤولية لمجلس النواب وحاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة بعد رفع الدعم عن المحروقات.

وقال عون إن “ما خرّب الوضع وجعل أزمة المحروقات تتفاقم هو القرار الذي أخذه حاكم مصرف لبنان بوقف الدعم من دون العودة إلى الحكومة وقبل صدور البطاقة التمويلية، ومع الأسف، قرار رفع الدعم جعل أزمة المحروقات تتفاقم أكثر فأكثر مع إصرار الحاكم على موقفه، ومطالبته بإصدار تشريع يغطّي الصرف من الاحتياط الإلزامي”.

وأضاف “كنا قررنا في اجتماع انعقد في بعبدا أن يستمر دعم المحروقات حتى نهاية سبتمبر المقبل، كي يتزامن رفع الدعم التدريجي مع صدور البطاقة التمويلية. ولم نترك وسيلة إلا وعملنا عليها، بما فيها الاتفاق الذي حصل مع العراق لاستيراد المحروقات والذي من المفترض أن يبدأ تنفيذه الشهر المقبل”.

وتابع عون “استخدمت كل صلاحياتي الدستورية؛ مجلس الوزراء لم ينعقد، ومجلس النواب لم يتخذ إجراءً عملياً، والوضع اليوم هو كما ترونه وتعيشونه. لقد أحببت أن أصارحكم بالواقع كي تعرفوا أنّ هناك عرقلة لكل فكرة أو اقتراح أو مبادرة، وكأنّ المطلوب هو المزيد من تدهور الأوضاع والمعاناة والعذاب للمواطنين، ووقوفهم في طوابير الذل”.

وقالت هنرييتا فور المديرة التنفيذية لليونيسف “أصبحت المرافق الحيوية مثل المستشفيات والمراكز الصحية محرومة من المياه الصالحة للشرب بسبب نقص الكهرباء، مما يعرض الأرواح للخطر”.

وأضافت “إذا أُجبر أربعة ملايين شخص على اللجوء إلى مصادر غير آمنة ومكلفة للحصول على المياه، فذلك سوف يعرض الصحة والنظافة العامة للخطر، وقد يشهد لبنان زيادة في الأمراض المنقولة عبر المياه، بالإضافة إلى زيادة في عدد حالات كوفيد – 19”. وحثت فور على تشكيل حكومة جديدة لمواجهة الأزمة.

وكان عون قد كلف في السادس والعشرين من يوليو الماضي نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة تخلف حكومة تصريف الأعمال الراهنة التي استقالت بعد 6 أيام من انفجار كارثي هز مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020.

وسبق هذا التكليف اعتذار رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري عن تشكيل الحكومة منتصف يوليو، بعد 9 أشهر من تكليفه، جراء عدم التوافق مع عون حول تشكيلتها.

ويزيد التأخر في تشكيل الحكومة الوضع سوءا في بلد يعاني منذ أواخر 2019 أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، ما أدى إلى انهيار مالي ومعيشي وارتفاع معدلات الفقر والجريمة، وشح في الوقود والأدوية وسلع أساسية أخرى.

ودفعت أزمة الطاقة في لبنان الناس إلى البحث عن حلول غير مألوفة في إطار بحثهم اليائس عن المتطلبات الأساسية للحياة، من الهواء النقي إلى الكهرباء ووقود السيارات.

ولم تكن آيلا تسعى إلى قضاء وقت ممتع مساء حين قصدت أحد مقاهي العاصمة بيروت بقدر حاجتها إلى مكان يحتوي على مكيف هواء مع اشتداد حرارة الصيف، وذلك لتوفير بعض الراحة لأطفالها الذين كانوا إلى جانبها.

وقالت آيلا وهي أم لبنانية ثلاثينية “منذ يومين لم نحصل على دقيقة كهرباء واحدة في المنزل. الأولاد لم يعد باستطاعتهم النوم”.

وأضافت آيلا، التي لم تكن تسعى إلى قضاء وقت ممتع حين قصدت أحد مقاهي بيروت بقدر حاجتها إلى مكان يحتوي على مكيف هواء مع اشتداد حرارة الصيف وابنها البالغ خمس سنوات في حضنها وابنتها مستلقية على الأريكة، “هنا يمكن لأولادي أن يكسبوا بعض الراحة لبضع ساعات في مساحة مكيفة”.

غراف

وانقطاع التيار الكهربائي لمدد تتجاوز 22 ساعة يوميا بات التقليد الجديد في بلد مفلس تفتقر أسواقه إلى كل شيء تقريبا من الوقود إلى الدواء فالخبز وكافة المواد الأساسية.

وسكان لبنان بدأ صبرهم ينفد وكذلك قدرتهم على الصمود مع انهيار اقتصادي بلا قعر نقل البلاد إلى حالة معاكسة لما كانت عليه بالمطلق.

وأشارت آيلا إلى أن “ما نمر به يفوق الخيال. لم يتبق لدينا أي شيء، نحن محرومون من كل شيء، حتى النوم”. وأردفت “هذا هو الجحيم على الأرض”.

وفي أحد محلات الحلاقة يئس أحمد من عودة التيار الكهربائي، فما كان منه إلا أن استخدم ضوء هاتفه ليشذب لحية أحد الزبائن. وقال والعرق يتصبب منه بسبب الحر “نعمل في ظروف بائسة للغاية”. وفي أماكن أخرى اختار أصحاب صالونات التزيين أن يضعوا كراسي الحلاقة على الأرصفة لاستغلال الضوء الطبيعي وسط انعدام الكهرباء.

وأطاح الانهيار الاقتصادي بالعملة الوطنية، إذ فقدت الليرة الكثير من قيمتها أمام الدولار الأميركي ما دفع بأربعة من كل خمسة أشخاص تحت خط الفقر. لكن وتيرة الانهيار البطيئة تسارعت هذا الشهر بعد إعلان حاكم البنك المركزي رياض سلامة عدم القدرة على الاستمرار في دعم المحروقات.

لبنان يعيش انهيارا ماليا حيث يؤدي نقص الوقود والبنزين إلى انقطاع الكهرباء ووقوف طوابير طويلة في محطات الوقود القليلة التي لا تزال تعمل

وفي أعقاب هذا الإعلان ساد الهلع وخفض موزعو المحروقات الكميات التي يتم توزيعها لتصطف أرتال من السيارات أمام محطات الوقود بانتظار أن يتمكن أصحابها من تعبئة خزاناتها قبل تحديد السعر الجديد لصفيحة البنزين. وأدى ترك بعض السائقين لسياراتهم ليلا أمام المحطات خوفا من خسارة دورهم في اليوم التالي إلى إغلاق شوارع العاصمة المعتمة.

وأطفأت معظم إشارات المرور أنوارها قبل أشهر، ولحقت بها مصابيح الإنارة بعد وقت قصير، وكذلك لافتات المحلات ما تسبب بشعور بالمرارة لدى سكان المدينة. وفي الأسابيع الأخيرة، اضطر الموظفون إلى ملازمة منازلهم أو النوم في أماكن العمل بسبب صعوبة التنقل وغياب أي خيارات أخرى في ظل الشح المستمر للوقود.