كيف يبرر “حزب الله” قرار استجرار المحروقات الإيرانية؟

ابراهيم بيرم – النهار

ليست المرة الاولى يتحدث الامين العام لـ “حزب الله ” السيد حسن نصرالله عن عزمه على استجرار المحروقات من ايران بهدف انهاء ما يعتبره حصارا غير معلن يُفرض بشكل معقد وملتبس وذكي على البلد، فهو اعلن ان مثل هذه الفرضية موضوعة في الحساب من اسابيع خلت وان تنفيذها بات جديا.




لكن الاكيد ان هذا الامر هذه المرة، وتحديدا بعد الكلام ذي الطبيعة الاجرائية الذي اطلقه السيد نصرالله في ذكرى عاشوراء، نقل المسألة برمتها الى مناخات مختلفة، واستطرادا احتمالات تصعيدية عدة.

في السابق، وتحديدا قبل نحو شهر عندما لوّح السيد نصرالله بانه يفكر جديا في اللجوء الى هذا الخيار كممر اجباري اخير بعدما احتدمت ازمة فقدان المحروقات وما ينجم عنها من ازمات طبية وغذائية، ادرج البعض هذا التلويح في خانة ممارسة الضغوط الوقائية كردّ فعل على ضغوط غير مرئية يستشعر الحزب ان ثمة مَن يتعمد ممارستها على نحو سلس وناعم من خلال الضغط الاقصى على الوضعين السياسي والاقتصادي – المالي من خلال اتّباع سياسات ملتبسة ومركّبة تحول دون استيلاد حكومة جديدة تكون مفتاحا اساسيا لبدء اخراج لبنان من نفق ازماته المتفاقمة، وعبر التلاعب بالوضع المالي والاقتصادي للبلاد على نحو جعلها منذ ما يقرب من سنة تعيش تحت وطأة حصار غير معلن.

ولا تخفي مصادر عليمة في “حزب الله” ان السيد نصرالله كان يطوي هذا الكلام على رسالة تحذير وانذار فحواهما: لا تدفعونا الى ركوب هذا المركب الخشن وسلوك هذا الدرب الوعر، وقرن استهلالا موضوع انفاذ قرار استجرار المحروقات من ايران بموضوع عجز الدولة اللبنانية عن القيام بدورها المعروف منذ عقود في هذا المجال وهو الاشراف على عملية استيراد حاجة لبنان من صنوف المحروقات ومن ثم ادارة عملية توزيعها على الشركات، وهي خصصت لذلك وزارة وجهازا متخصصا وادارة مالية تحدد جدول الاسعار المتحرك اسبوعيا بحسب البورصة العالمية.

واكثر من ذلك، كان في الحزب من يتمنى ان يبرز تطور عاجل ما ويحيد عنه تجرّع كأس هذه المهمة الشاقة عبر تأليف حكومة برئاسة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي الذي يسارع الحزب الى دعمه من دون اية شروط ومحضه اصوات كتلته النيابية في خطوة نوعية تشي برغبة الحزب في تسهيل الولادة الحكومية المنتظرة.

ومع ذلك، فان الوقائع والمعطيات التي توافرت للحزب اخيرا وكانت احد الاسس التي استند اليها ليأخذ سيده قرار الاستجرار عبر البواخر على الفور، كوّنت لدى الجهات المعنية فيه انطباعا فحواه ان الذين يقفون بشكل او بآخر خلف الحصار غير المعلن ولا يسهلون اي مخرج يخفف مفاعيله، طلبوا من المحسوبين عليهم، اي خصوم الحزب، ان يستعدوا لمواجهة قرار الحزب ويعملوا على التشكيك به والتهويل بنتائجه السلبية وتداعياته الخطيرة على عموم البلاد. وبحسب اعتقاد الحزب ان اشارة البدء بهذه الحملة التحريضية على الحزب وقراره اعطتها زيارة السفيرة الاميركية الى قصر بعبدا وما حملته معها من تحذيرات.

والواضح بحسب الدوائر نفسها ان ثمة من نصح الحزب في الساعات القليلة الماضية بضرورة فرملة اجراءات تنفيذ الاستجرار بعدما تعززت اخيرا مؤشرات امكان ولادة الحكومة وما اشيع عن ان الاعلان عن هذه الولادة المنتظرة حاصلة ولاريب وانها باتت مسألة ساعات ليس إلا.

ومع ذلك، فان الحزب ظل مقيما على تشكيكه وتحفّظه، ولم يوقف رحلة درس خطوات التنفيذ العملاني لعملية الاستجرار وتقدير كل ما يتصل بها وما يمكن ان ينجم عنها من تداعيات وارتدادات.

وكان واضحا ان اشارة الانطلاق بالتنفيذ العملي اطلقها نصرالله بعدما تراكمت امامه وقبل اطلالته الاخيرة معطيات ووقائع تشي بأمرين اثنين:
الاول، ان الجهة الرسمية المعنية بمسألة استيراد المحروقات والاشراف على تسعيرها وتوزيعها (اي مصرف لبنان ووزارة المال واصحاب الشركات النفطية) اخفقت في بلوغ حلول من شأنها ان تحد من ازمة المحروقات، اذ ان كل ما اشيع عن وعود بدنو لحظة الانفراج تبين انها عبارة عن مسكنات واوهام تباع للناس.

الثاني، في الساعات التي سبقت ظهور نصرالله من على منبر عاشوراء تناهى الى علم الدوائر المتابعة في الحزب ما بدد كل اجواء ومناخات التفاؤل التي اشيعت اخيرا من طرفي التأليف وبشّرت بقرب ولادة الحكومة وانطواء صفحة ازمة الفراغ الحكومي المستمرة منذ عام، لاسيما بعدما سرى لدى الدوائر عينها كلام منسوب الى الرئيس المكلف فحواه “اننا عدنا الى المربع الاول”، على رغم ان الرجل يدحض فرضية انه صار اقرب الى العزوف والاعتكاف اكثر من ذي قبل ليلتحق بسلفه الرئيس سعد الحريري.

وتخلص الدوائر عينها ان السيد نصرالله كان في وارد تأجيل الكشف عن القرار الاشكالي الاخير لو تيقن جديا ان الحكومة في طريقها الى ابصار النور قبل نهاية الاسبوع الجاري كما اشيع.

اما وقد تبين للحزب بالبرهان والدليل ان ثمة في لبنان من يسرّه مشهد التعقيد الحكومي لانه لا يريد اصلا لميقاتي ان ينجح في المهمة التي تصدى لها بكل طيبة خاطر، وتبين ايضا ان لا جدية لدى المعنيين في معالجة ازمة فقدان المحروقات من الاسواق رغم دخولها الاسبوع الثالث على التوالي، فقد كان ذلك بمثابة حبل السرة الذي عجّل في اتخاذ اقرار الاستجرار وتحضير الارضية اللوجستية التامة لضمان نجاحها، فضلا عن ان العجز سيحرج حتما المعترضين ويقلل قيمة حججهم .

ومهما يكن من امر فان الحزب يعتبر انه اخذ وقته الكامل في درس احتمالات القرار، لذا فهو يعتبر انه قرار مدروس روعيت فيه كل الاحتمالات وهو مبني على اسس علمية. والقرار يقضي باستجرار المازوت اولا عبر بواخر يفترض ان ترسو على شواطىء لبنانية، ما طوى نهائيا فكرة الاستيراد اولا الى مرفأ بانياس السوري ثم نقله بواسطة الصهاريج برا.

واكثر من ذلك، فان اجواء على صلة بالحزب تجد ان فرصة التراجع عن القرار باتت ضئيلة جدا مادام هناك من يعمل لابقاء البلاد بلا سقف حكومي يقيها ويؤسس لعملية انقاذ متدحرجة.

والحزب يعي ان القرار فتح ابواب الاحتمالات والتحديات الصعبة، لكنه اتُّخذ بعدما وجد الحزب انه لم يعد بامكانه البقاء مكتوفا امام الاذلال الممنهج الذي يمارَس بحق البلاد والعباد، وان بالامكان كسر حلقات قرار الحصار والاذلال والتجويع بأهون السبل وبقدر من التحدي والتضحية.

وتخلص المصادر المعنية بالحزب: “نحن جاهزون لكل التداعيات والاحتمالات. وقد حسبنا حساب كل شيء حتى لا نفاجأ ولانؤخذ على حين غرة. وهذا هو قرارنا لمنع الاطباق على البلاد، ومن كان عنده خيار آخر فليسعف البلاد بدل اطلاق التهويلات والتحذيرات”.