ماذا يريد باسيل؟

في جلسة مجلس النواب اليوم، كان لافتاً حديث النائب جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية والوزير الملك في كل حكومة خلال العقد الماضي وأكثر. ذاك أن باسيل، وهو المستهدف الأول في التظاهرات وفي أي تعبير محلي عن الغضب حيال الطبقة السياسية، سيخسر نواباً في أي انتخابات مقبلة، لا بل الأرجح خروجه من الحياة السياسية بالكامل في حال خسارته، وبعدها بشهور خروج عمّه من قصر بعبدا. إذن، لماذا يُطالب باسيل بالانتخابات المبكرة؟

في كلامه، تحدث رئيس التيار الوطني الحر، عن ضرورة أن يؤدي مجلس النواب دوره، “ونسأل كأقليّة إذا كان بقاؤنا فيه ما زال مجديًا، أو إذا صار لازمًا تقصير ولايته وإجراء انتخابات نيابية مبكرة”.




أولاً، الكلام عن كون التيار أقلية غير فاعلة، يصب في محاولة باسيل التنكر كمعارض للطبقة السياسية، أو شخصية من خارجها، وهو تكتيك أغلب الطبقة السياسية. وفقاً لسرديته الجديدة، هو لم يكن قادراً على تطبيق خطة الكهرباء، ومُنع من توفيرها على مدار الساعة، لا بل هو ضحية للسلطة وأركانها. لكنه في الوقت ذاته، يُمثل تياراً مسيحياً قوياً، ولا يسمح بأي تجاوزات على حقوق الطائفة. التناقض صارخ للغاية بين الصورتين، ومن الصعب مصالحة القوة التمثيلية والسياسية من جهة، والعجز أمام الآخرين في الطبقة السياسية، من جهة ثانية. هذان نقيضان.

لكن، ورغم كونه أساساً في معادلة الحكم وقطاع الطاقة خلال السنوات الماضية، لا يزال باسيل يرى أن هناك فرصة لمحو تاريخه ومسؤوليته عن قرارات وطريقة حكم آلت لهذا الوضع المأساوي في لبنان.

ثانياً، من الصعب أيضاً مصالحة هذه السردية لدى جبران باسيل، مع تشكيل حكومة وحصول تياره على وزارة الطاقة وغيرها من الحقائب. فإذا كان عنوان سياسة جبران وتياره خلال هذه المرحلة، لوم الآخرين على إخفاقات الماضي، والتنصل بشكل كامل من المسؤولية عن الأزمة الحالية، لماذا يدخل حكومة جديدة ويُشارك في صناعة القرار خلال فترة محفوفة بالمخاطر؟

إن المشاركة في الحكومة، والتنكر كأقلية خارج السلطة، غير منطقيين، لا بل المطلوب تعزيز السردية بخروج كامل من كل شيء والتحضير للانتخابات.

لكن أي انتخابات؟ هل فعلاً يريد باسيل اجراء انتخابات نيابية في الوضع الحالي؟ اجراء الانتخابات النيابية اليوم هو تهديد وجودي لهذه الطبقة السياسية، وعلى رأسها “حزب الله”. في مطلع احتجاجات 17 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019 كان “حزب الله” يرى فيها مؤامرة ضد نتائج انتخابات عام 2018، والتي حملت أول برلمان بغالبية موالية له. هل يُجري انتخابات لتطيير هذه النتيجة وإعادة تعويم خصومه في المجلس النيابي؟ هل يتحمل الحزب في هذه المرحلة خسارة الأغلبية البرلمانية، وفك احتكار التمثيل الشيعي في آن؟ وهاتان النتيجتان محسومتان بطبيعة الحال. حتى تشكيل الحكومة بغالبية غير موالية للتنظيم، تُطلق مساراً تفاوضياً مع المجتمع الدولي قد يقود للحديث عن سلاح الحزب ونفوذه في المعابر والمطار وغير ذلك، بصفتها عوائق أمام الاستثمار الخارجي. هل يريد “حزب الله” الدخول في هذا المسار من دون قدرة على التحكم بالحكومة ومصيرها؟

الواضح هنا أن باسيل يُناور في طرحه الانتخابات النيابية المبكرة، وسيُحاول الضغط في هذا الاتجاه، تماماً كما يفعل في موضوع رفع الحصانات في قضية انفجار المرفأ. ذاك أن تأجيل الانتخابات العام المقبل سيحتاج الى أصوات باسيل، في ظل رفض “القوات” و”المستقبل”.

يُريد باسيل الحصول على تنازلات من حلفائه في الموضوع الرئاسي، إما تبني لترشيحه، وهو مستبعد للآن، أو منحه القدرة على تسمية مرشح محسوب عليه، أو إيجاد صيغة للتمديد للرئيس أو الموافقة على بقائه في فترة تصريف أعمال مفتوحة الأمد.

لكن كل ما سبق لا معنى له إن لم تكن لدى باسيل و”حزب الله” خطة محكمة لكيفية إدارة مرحلة الفوضى في حال فشل الحكومة، للحؤول دون فوضى شاملة. لهذا السبب، يُحاول باسيل دوماً الضغط على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمواصلة الدعم وإبقاء الوضع على حاله، لأن الدخول في العتمة والفوضى الشاملة، يعني غالباً انفجاراً اجتماعياً يُصعب التحكم بمآلاته.

وأي حكومة لا يملك باسيل القدرة على تفجيرها من الداخل بالثلث المعطل، ستتحول الى سلاح ضده بطبيعة الحال، مع فتح الباب أمام قرارات تسلبه قدرة التعطيل، وبالتالي التفاوض مع سائر الحلفاء والطبقة السياسية حيال مصيره. هو ليس زعيماً تقليدياً يملك جذوراً مناطقية تُخوله العودة للبرلمان والسلطة، بل هو وافد على حصان الوراثة، وبالتالي يفتقد شبكة الأمان. والتفسير الوحيد لسلوكه التعطيلي اليوم، هو خشيته فقدان الأوراق أمام طبقة سياسية تتعامل معه كحملِِ زائدٍ يجب التخلص منه بأسرع وقت ممكن.





مهند الحاج علي – المدن