باكستان حليفة أمريكا أصبحت شريكة في هزيمتها بأفغانستان.. هذه بصمات إسلام آباد في انتصار طالبان

عندما نجحت حركة طالبان في السيطرة الكاملة على أفغانستان، رأى بعض الباكستانيين في ذلك سبباً للاحتفال، ووزَّعَت التنظيمات الإسلامية في عددٍ من المدن الباكستانية الحلوى على السكَّان، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي انتقد بعض المستخدمين فشل المجهود الحربي الأمريكي ومشروع “بناء الدولة الأفغانية”.

فيما غرَّدَ رؤوف حسن، المساعد الخاص لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، على منصة تويتر، ساخراً من تقييمات الخبراء الغربيين في جنوب آسيا، قائلاً: “تشهد أفغانستان حالياً انتقالاً سلساً للسلطة من حكومة أشرف غني الفاسدة إلى طالبان”. وأضاف أن “الأداة الغربية التي حشدتها الولايات المتحدة لأفغانستان انهارت مثل بيتٍ من الورق”.




رئيس الوزراء الباكستاني: “الأفغان كسروا أغلال العبودية”

وأدلى خان نفسه برأيه في فعاليةٍ أُقيمَت يوم الإثنين، 16 أغسطس/آب، في إسلام آباد. وتعليقاً على المخاطر الثقافية في تعليم اللغة الإنجليزية للمجتمع الباكستاني، و”العبودية العقلية” المُفتَرَضَة لتعليم هذه اللغة، بدا أنه يشير إلى حركة طالبان باعتبارها نموذجاً من الأصالة، وقال إن “الأفغان كسروا أغلال العبودية”.

وكانت حكومة خان -الذي كان معارِضاً صريحاً للحروب الأمريكية في المنطقة بل ويلقي اللوم عليها في تأجيج تمرُّد طالبان في باكستان- تشدد دوماً على “أهمية عمل جميع الأطراف في أفغانستان معاً لتأمين حلٍّ سياسيٍّ شامل”. وقد صوَّرَ خان باكستان على أنها ضحيةٌ لدوراتٍ من الاضطرابات والصراعات الإقليمية، التي تفاقمت بسبب تدخُّلات القوى الأجنبية مثل الولايات المتحدة.

من جانبه قال مستشار الأمن القومي، مؤيد يوسف، في مقابلةٍ هذا الشهر، أغسطس/آب: “لسنا مستعدين تحت أيِّ ظرف من الظروف لأن نشهد عدم الاستقرار الذي طال أمده، والذي تسبَّبَ في الماضي في التوجُّه نحو باكستان”. وأضاف: “كانت باكستان تعيش معاناةً كلَّ هذه السنوات الأربعين الماضية”.

وتقول صحيفة Washington Post الأمريكية، إنه لسنواتٍ من الزمن، كانت الحكومة الأفغانية تتحسَّر على الدعم الذي تقدِّمه باكستان لطالبان الأفغانية، ولاسيما من قِبَلِ المؤسَّسة العسكرية في البلاد وأجهزة الاستخبارات التابعة لها، والمعروفة باسم الاستخبارات الداخلية.

وفي يناير/كانون الثاني 2020، خلال المائدة المستديرة للمنتدى الاقتصادي العالمي مع الصحفيين، سَخِرَ الرئيس الأفغاني الهارب أشرف غني من الادِّعاءات الباكستانية بأن حركة طالبان الأفغانية لم تعد تطلق عملياتها من الملاذات الآمنة في باكستان، وقال: “يمكن للمرء أن يقول أيضاً إن الأرض لا تدور حول الشمس”، حسب تعبيره.

البصمات الباكستانية في انتصار طالبان

وتقول “واشنطن بوست” إن مقاومة طالبان، التي استمرت على مدار فترةٍ طويلة، وسيطرتها السريعة على أفغانستان، يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بباكستان. في الجزء الأكبر من النصف قرن الماضي زرعت باكستان العناصر المسلحة في أفغانستان كجزءٍ من سعيها الإقليمي الخاص لتأمين “العمق الاستراتيجي”.

وحافظت الفصائل التي اندمجت في طالبان على علاقةٍ لوجستية وتكتيكية واسعة مع الوكالات الباكستانية، بينما جاء العديد من مقاتليها من عالمٍ من الانتماءات العرقية والقبلية التي امتدَّت على جانبي الحدود الوعِرة، ربما مكَّنَت هذه الشبكات نفسها مؤسِّس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، من العثور على ملاذٍ في بؤرةٍ مُحاطةٍ بالأشجار ليس بعيداً عن الأكاديمية العسكرية الباكستانية الرائدة، إلى أن قتلته قوات البحرية الأمريكية في غارةٍ قبل عقدٍ من الزمان.

وبالنسبة للحلفاء في المؤسَّسة الباكستانية، كانت جاذبية طالبان سياسية وتكتيكية على حدٍّ سواء، حتى عندما كانت باكستان حليفةً رئيسيةً للولايات المتحدة أثناء وبعد غزو أفغانستان عام 2001. أشارت صحيفة Financial Times البريطانية إلى أن “البعض تعاطَفَ مع الأيديولوجية المتشددة للإسلاميين، بينما اعتبرها آخرون رصيداً لا غنى عنه لمواجهة الهند”. عاش قادة طالبان في باكستان وعملوا فيها، وعولِجَ جرحاهم المقاتلون في مستشفياتها، ولدى شبكة حقاني، التابعة لطالبان، “علاقةٌ وثيقة” مع وكالات الاستخبارات الباكستانية، وفقاً لتقريرٍ حديثٍ صادر عن معهد السلام الأمريكي.

“الاستخبارات الباكستانية هزمت أمريكا بمساعدة أمريكا”

تقول الصحيفة الأمريكية: لطالما كان هذا سراً، لكنه معروف للجميع، قال حميد غول، رئيس جهاز الاستخبارات الباكستانية السابق، على شاشة التلفزيون في العام 2014: “عندما يُكتَب التاريخ، سيُعلن أن وكالات الاستخبارات الباكستانية هزمت الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بمساعدة أمريكا”. وأضاف: “ثم ستكون هناك جملةٌ أخرى: أن وكالات الاستخبارات الباكستانية هزمت أمريكا بمساعدة أمريكا”.

والآن، هناك دعواتٌ على وسائل التواصل الاجتماعي من قادةٍ سابقين في الاتحاد الأوروبي إلى الأفغان، من أجل عملٍ دولي أكثر صرامة بشأن باكستان. كتبت كريستينا فير، في مجلة Foreign Policy الأمريكية، هذا الأسبوع، قائلةً: “بدون الدعم غير المحدود من الاستخبارات والمؤسَّسة العسكرية الباكستانية لطالبان، ستكون الجماعة مصدر إزعاجٍ وليس قوة قتالية فعَّالة”. وأضافت: “رفضت الولايات المتحدة بثباتٍ أن تفعل الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن تفعله منذ فترةٍ طويلة، وهو العقوبات التي تستهدف أولئك الموجودين في الدولة الباكستانية العميقة، الذين يرعون متشدِّدين إسلاميين”، حسب تعبيرها.

العمق الاستراتيجي لباكستان

على العكس من ذلك، اتَّجَهَت الولايات المتحدة إلى حكومة خان لتسهيل المحادثات مع طالبان. وتحت ضغط إدارة ترامب، أطلقت باكستان سراح عبدالغني بارادار -الشخصية السياسية التي من المُرجَّح أن تكون على رأس حكومة مستقبلية لطالبان- من السجن في عام 2018، حتى يتمكَّن من المشاركة في مفاوضات السلام التي عُقِدَت في العاصمة القطرية الدوحة. وفي مقال رأي في صحيفة Washington Post الأمريكية، في يونيو/حزيران الماضي، جادَلَ خان بأنه وحكومته قاما بـ”الرفع الدبلوماسي الثقيل حقاً” لجلب طالبان إلى طاولة المفاوضات، وحثَّ الحكومة الأفغانية آنذاك على “إبداء المزيد من المرونة” في المحادثات.

يجادل بعض النقَّاد بأن المحادثات كانت بمثابة ستار دخانٍ يغطي على تقدُّم طالبان المُطرد عبر أفغانستان، وأن الفصيل المُحافِظ لم تكن لديه أيُّ مصلحةٍ في الحفاظ على هيكل الدولة الهشة التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها في كابول. وهذا له آثارٌ على باكستان أيضاً.

وكتب الصحفي الباكستاني حميد مير، في مقال رأي بصحيفة Washington Post، أن “استيلاء طالبان العسكري على كابول ينتهك اتفاق السلام الذي وقَّعَته طالبان الأفغانية والولايات المتحدة في الدوحة العام الماضي، لذا فإن الاتفاقية ماتت من الأساس”. وأضاف: “نحن الآن نواجه حالةً من عدم اليقين المتزايد، وهي تؤثِّر على باكستان ربما بشكلٍ أعمق من أيِّ قوةٍ إقليمية أخرى”.

وكتب عالم السياسة فهد همايون، أن باكستان قد تواجه تدفُّقاً جديداً للاجئين الأفغان، بالإضافة إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين استضافتهم منذ أيام الحرب الباردة. ولا يقلِّل استيلاء طالبان على السلطة من خطر التشدُّد المناهض لإسلام آباد، ويمكن أن يشجِّع أيضاً الحركات الإسلامية والانفصاليين العرقيين البشتون داخل باكستان. وفي غضون ذلك، قد تتفاقم إحباطات الغرب من العلاقة الباكستانية بطالبان الأفغانية في الأسابيع المقبلة.

وكتب حسين حقاني، السفير الباكستاني المقيم الآن في واشنطن، أن “هذه التطوُّرات ستأخذ باكستان بعيداً عن كونها “دولةً طبيعية”، و”سوف تديم الخلل الوظيفي في الداخل وتحبسه في سياسةٍ خارجية مُحدَّدة بالعداء تجاه الهند، والاعتماد على الصين”. وأضاف: “من غير المُرجَّح أن تغفر الولايات المتحدة لباكستان قريباً على تمكينها لطالبان على مدار عقود”، حسب تعبيره.