إيران وطالبان: براغماتية معقدة لا أعداء ولا أصدقاء

ستكون سلة نفايات الاعتبارات في السياسة الخارجية الإيرانية أقرب إلى أي شيء آخر من مصطلحات متطرف ومعتدل عندما تفكر إيران باستراتيجية التعامل مع طالبان بوصفها جارا سياسيا انتصر نيابة عنها على “الشيطان الأكبر” بغض النظر عن الكراهية الدينية والسياسية التي تكنّها طالبان لإيران الشيعية.

ولم يظهر الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي سعادته بطالبان بنفس القدر من شماتته بهزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان.




وقال رئيسي بعد سيطرة طالبان على العاصمة كابول “الفشل العسكري للولايات المتحدة في أفغانستان يتيح فرصة لتحقيق سلام دائم في البلاد”.

ولا تخفي طهران قلقها من الأوضاع المتصاعدة في جارتها الشرقية التي تتشارك معها حدودا بطول أكثر من 900 كلم، إلا أنها في الوقت نفسه تتبنى مقاربة براغماتية متصالحة حيال حركة طالبان.

ويعبر الآلاف من الأفغان الحدود إلى إيران يوميا، وينضمون إلى مليوني لاجئ أفغاني استقرّوا هناك بعد الحروب السابقة.

وينحدر معظم هؤلاء اللاجئين من الشيعة الأفغان “الهزارة”. وتمّ تجنيد البعض منهم في ميليشيا فاطميون التي قاتلت في سوريا للدفاع على نظام الرئيس بشار الأسد.

ويشرف الحرس الثوري الإيراني على إعداد وتجهيز وتدريب ميليشيا فاطميون الشيعية الأفغانية.

المتطرفون الإسلاميون

ترتبط إيران الشيعية بعلاقة معقدة مع حركة طالبان السنية. تبدأ من قلقها الطائفي من التكوين الجديد للطوق السني، وبالنظر إلى أن طالبان تحمل كراهية عميقة للشيعة، فإن ميزان القوى الجديد هذا قد يشكل كابوسا وجوديا لإيران. خصوصا إذا تصاعد نشاط التنظيمات الإسلامية المتطرفة في جنوب آسيا، فإنها على الأغلب ستحصل على دعم الحاكم الجديد في أفغانستان عندما يتعلق برفضها للأصولية الشيعية في إيران.

وقال بيتر نيومان أستاذ الدراسات الأمنية في كينغز كوليدج لندن، إن “المتطرفين الإسلاميين في جميع أنحاء العالم حصلوا على دفعة مطلوبة وقوية من انتصار طالبان على الولايات المتحدة، فأنصار القاعدة كلهم يحتفلون بالانتصار على الولايات المتحدة، وهو ما يأملون في تحقيقه”.

وأضاف “الكثير من الجماعات سوف تنزل من الجبال والمخابئ معتمدة على هذا الانتصار من الناحية الدعائية”.

ولا يخفي الخطاب السياسي الداخلي الإيراني احتقاره لحركة طالبان الإسلامية الأصولية، وفي عام 1998 كادت طهران أن تقدم على عمل عسكري ضد الحركة، بعد أن قتل مقاتلو طالبان ثمانية دبلوماسيين إيرانيين ومراسل وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إيرنا في القنصلية الإيرانية في مدينة مزار شريف الأفغانية.

وعلى عكس ما هو عليه الحال في العراق واليمن، فإن ميليشيا فاطميون المكونة من الهزارة الشيعة المدعومة من الحرس الإيراني تدريبا وتسليحا، لا تملك قوة حزب الله اللبناني أو ميليشيات الحشد الشعبي العراقية أو الحوثيين في اليمن، وبالتالي لا تشكل تحديا خطيرا لطالبان.

ووضعت طالبان الشيعة الأفغان تحت سطوتها بمجرد دخولها كابول، عندما أمرت بتنزيل الرايات من على مباني الحسينيات الشيعية ورفع علم طالبان بدلا منها، خصوصا وأن اجتياح طالبان تزامن مع مراسيم إحياء ذكرى عاشوراء التي تعد أحد أهم المناسبات الشيعية في استذكار مقتل الإمام الحسين بن علي.

ومع ذلك لا تتواني طهران عن دعم طالبان عندما تحقق مصالحها خصوصا ما يتعلق بعلاقتها مع الولايات المتحدة، فقد كشفت تقارير استخباراتية أنه في السنوات الأخيرة قامت طهران بتمويل مقاتلي طالبان من أجل استهداف القوات الأميركية.

يتعين على إيران اليوم وضع استراتيجية جديدة تتكيف مع وجود حركة طالبان التي لا يمكن عدها عدوا لدودا أو صديقا ودودا

وسبق وأن نشرت المخابرات الأميركية معلومات تظهر كيف دفعت طهران “مكافآت” لطالبان لمهاجمة الأميركيين في أفغانستان.

ويتعيّن على إيران اليوم وضع استراتيجية جديدة تتكيّف مع وجود حركة طالبان التي لا يمكن عدها عدوا لدودا أو صديقا ودودا.

وباتت إيران، التي تمسّكت بمبدأ طرد القوات الأميركية من العراق والخليج وأفغانستان، تُدرك أن القوات الدولية التي ساعدت أفغانستان، ولو جزئيا، في عرقلة نهج طالبان، كانت تعمل لمصلحتها.

وقال روزبه بارسي من المعهد السويدي للشؤون الدولية، إن خروج القوات الأميركية من المنطقة كان هدف إيران المعلن، لكن رحيلها لم يكن موضع ترحيب من طهران.

وأضاف بارسي في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية أن “الدعم الأميركي للحكومتين في أفغانستان والعراق كان مفيدا أيضا لإيران من حيث أنه ضمن نوعا من الاستقرار وتحملت الولايات المتحدة العبء الأكبر”.

وشبه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي عودة حركة طالبان إلى أفغانستان بعاصفة تضرب أفغانستان لفرض “التخلف والرعب، وضياع أبسط حقوق الناس، بدلا من الأمل بالحياة المستقرة الآمنة”.

وحذّر خاتمي من “النزعة المناوئة للشيعة”، وقال إن “توجهها الطائفي يوجه خطرا مضاعفا للشيعة في أفغانستان”.

بينما اعتبر الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد أن حركة طالبان “تشكل خطرا جديا ضد إيران والمنطقة”، مشيرا إلى أنها تسعى وراء “إقامة خراسان الكبرى”.

تقاطع في التعامل مع طالبان

يكشف هذا التقاطع بين القوى السياسية أن النظام الإيراني في حيص بيص، وهو الآن يواجه احتمالية أن تؤدي سياسة طالبان في أفغانستان إلى إلحاق ضرر غير متوقع بالمصالح الاستراتيجية لإيران، بما في ذلك علاقة طهران بباكستان.

مع ذلك تذهب بعض التحليلات إلى أن إيران تتعامل بجدية مع خيار توسيع التعاون مع طالبان التي تستخدم إيران منذ سنوات كطريق لتصدير المخدرات إلى الغرب، ما يوفر مصدر الدخل الرئيس لأنشطتهم.

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي تسفي برئيل “إيران ليست لديها مشكلة في التعاون مع الحكومات والمنظمات السنية، حتى عندما تدافع عن آراء دينية أو وطنية معارضة لمبادئها”.

واستشهد برئيل في تقرير له بصحيفة هآرتس الإسرائيلية بما وصفه المرشد الإيراني علي خامنئي، بـ”المرونة البطولية” التي أظهرتها إيران عدة مرات في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن أيديولوجية إيران تخفت عند الضرورة.

ويرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي العراقي رحيم مزيد الكعبي أن عودة طالبان لحكم أفغانستان ستظهر لنا بمنتهى الوضوح براغماتية لا حدود لها لإيران.

وقال الكعبي في تصريح لـ “العرب”، “لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد في علاقة إيران بطالبان أفغانستان، فلطالما عُرفت طهران بعلاقتها بالتنظيمات المتطرفة، استضافة ودعما وتدريبا على أراضيها”.

وسبق وأن كشفت تقارير أمنية أن عددا من قادة تنظيم القاعدة ظلوا لسنوات، وربما لا يزال البعض منهم إلى غاية يومنا هذا في إيران، بل إن عددا من أجنحة القاعدة تلقت التدريب والدعم على الأراضي الإيرانية لسنوات عدة عندما كان هذا التنظيم ينشط في العراق، في نفس الوقت الذي كانت تدعم وتدرب فصائل مسلحة عراقية تقاتل القاعدة على الأراضي العراقية.

ويعزو الكعبي هذه البراغماتية السياسية الإيرانية إلى انعدام الحدود في المفاهيم الإيرانية عندما لا تقف عند عتبة الدعم من الباطن للمُختلف معه عقائديا ومذهبيا، فهي لا تتردد إطلاقا في التخلي عن الذين تدّعي أنهم حلفاؤها عقائديا متى ما شعرت بأنهم تحولوا عبئا عليها.

وقال إن إيران ستركز في تعاملها مع ملف طالبان وبعد أن تستغله للتشهير بالولايات المتحدة وفشل سياساتها الخارجية، ستحرص على إبقاء أفغانستان منطقة هشة لا استقرار فيها، عبر تبني مجموعة تكتيكات طالما عُرف الإيرانيون بتوظيفها في مثل هذه المواقف، مثل تأسيس حركات مسلحة متطرفة تشغل طالبان وتنافسها وتحول دون أن يستقر لها الأمر في عموم أفغانستان.

وعبّر عن توقعه أن تقوم طهران بتجميد المجاميع الأفغانية المسلحة التابعة مذهبيا لإيران، أو تسكينها في الفترة الحالية، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

وقال الكعبي “في كل الأحوال وبعيدا عن المواقف الإيرانية المُعلنة الداعمة لطالبان هذه الأيام، فإن طهران قد بدأت بالفعل استراتيجية إشغال طالبان وإنهاكها”.

غير أن المحلل السياسي دانيش كامات المختص بشؤون الشرق الأوسط لا يتفق كثيرا مع ما ذهب إليه الكعبي، معتبرا سيطرة طالبان على أفغانستان كارثة استراتيجية بالنسبة إلى طهران.

وكتب كامات في مقال بموقع “سنديكيشن بيورو” المختص بشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا “على الصعيد السياسي، فإن حكومة طالبان المنفصلة عن النفوذ الإيراني ليست إرثا سياسيا يود المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي تركه وراءه. ولم تلتزم طالبان بأي التزام جاد بالتعددية الدينية والطائفية، بخلاف السماح بعقد عدد قليل من النشاطات الشيعية”.

واعتبر أن التواصل السابق بين طهران وطالبان خصوصا عند استضافة إيران محادثات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، كان وسيلة تحمي نفسها من التواجد الأميركي في أفغانستان على الرغم من كراهية إيران للفكر الطالباني السني.

بينما اعتبرت أسلي آيدينتاسباس من مركز الأبحاث التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الدولية أن إيران ستخسر إذا عادت طالبان لتنتهج أساليبها القديمة وتؤمّن ملاذا آمنا للمتطرفين الإسلاميين.

ومهما يكن من أمر فإن إيران التي تمتلك خمس بعثات دبلوماسية في أفغانستان، أبقت بعض الدبلوماسيين هناك، بعد أن أخلت الباقين، وهذه إشارة انتظار للرسالة المرتقبة من طالبان.