ميقاتي لباسيل: “أنا معي العمّ سام وفرنسا وأبو علي وأبو عمر”

سركيس نعوم – النهار

الفرق بين الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي والرئيس الذي رشّحه لتأليف الحكومة بعد اعتذاره هو عن القيام بهذه المهمة لعجزه عن ذلك أي سعد الحريري، ان ليس لديهما فعلياً هدف واحد، بل لكل منهما هدف مناقض لهدف الآخر وذلك رغم كونهما “حليفين لدودين” وعضوين في “نادي رؤساء الحكومة السابقين”. علماً أن ما يجمع هؤلاء الى المصلحة الوطنية كما يرونها واستطراداً السنّية وما يفرّقهم هو التنافس بين طموحاتهم السياسية، الأمر الذي جعلهم على قلّة عددهم محاور متناقضة.




فالحريري اعتبر نفسه مرشّحاً طبيعياً لرئاسة الحكومة في برنامج تلفزيوني حواري ناجح وعريق، ثم نجح في جمع العدد اللازم من النواب لتكليفه تأليفها. وأمضى قرابة تسعة أشهر في حوار غير منتج مع رئيس الجمهورية ميشال عون حول دور كلّ منهما في التأليف، وحول شكل الحكومة ومهمتها وتوزيع حقائبها على الطوائف والمذاهب والأحزاب. لكنه آثر في النهاية الاعتذار. علماً أن المعلومات المتوافرة عند أكثر من جهة خارجية عربية وإقليمية فضلاً عن جهات داخلية مشاركة في المداولات التأليفية، أشارت في حينه وهي تؤكد اليوم حقيقتين مهمتين.

الأولى أن الحريري كان ومنذ اليوم الأول لتكليفه مصمّماً على ممارسة صلاحياته التأليفية وفقاً لنصوص الدستور اللبناني، ولاحقاً على ممارسة دوره رئيساً للسلطة التنفيذية وفقاً للنصوص نفسها، كما على منع رئيس الجمهورية من التصرّف على أنه شريكٌ فيها ولاحقاً على أنه رئيسها. وهو (أي عون) كان بدأ يمارس هذا الدور بالتدريج وخصوصاً منذ أصرّ عند تأليف أي حكومة على أن الدستور يقول أن تأليفها يتم بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف. وهذا نص دستوري واضح، لكن الأول توسّع فيه وحاول بذلك جعل نفسه المرجع الأول والأخير في التأليف، وتكريس ذلك عرفاً لا يستطيع تجاهله رؤساء الدولة والحكومات في المستقبل، كما لا يستطيع عدم الاعتراف به الرؤساء الذين سيكلّفون تأليف حكومات في المستقبل. أما الجانب الآخر من الحقيقة الأولى فكان الإعتذار إذا تعذّر على الحريري ممارسة دوره الدستوري كاملاً. وكان أيضاً أنه وحلفاءه العرب وفي مقدمهم دولة الإمارات العربية المتحدة يعرفون أنه واصل حتماً إليه لكن توقيت إعتذار الحريري كان مختلفاً عن التوقيت الذي فكّر فيه حلفاؤه أو وضعوه، وهو كان على الأرجح شهر أيلول المقبل فضلاً عن أنه أخفق في إدارة معركته مع الرئيس ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل، ووجد نفسه في طريق مسدودة فآثر الإعتذار متبنياً ترشيح ميقاتي مكانه رغم معرفته بشخصيته و”مواهبه” المتنوّعة وأهمها تلافي الفشل وإن على حساب مسلّمات كثيرة.

أما الحقيقة الثانية فهي أن الرئيس ميقاتي كان مصمّماً على التأليف والنجاح فيه وعلى ممارسة جدّية وناجحة لدوره رئيساً للحكومة أياً تكن الصعوبات و”الأكلاف”. وكان متفائلاً في أنه سيحقّقه ولا أحد يدري إلا عدد قليل جداً من الذين يثق بهم وبإخلاصهم له إذا كانت تجربته القصيرة حتى الآن في التكليف قلّصت هذا التفاؤل أو أضعفته. إلا أن تصريحاته للإعلام بعد كل جلسة “تأليفية” مع الرئيس عون كانت تعكس قلقاً داخله من الفشل في التأليف أو من التأليف بشروط تجعل اللبنانيين اليائسين ومنهم السنّة الذين يمثلهم يشعرون أنه خذلهم، واستجاب لشروط الرئيس والصهر تمسّكاً بالرئاسة الثالثة. أما الدوافع التي جعلت ميقاتي متأكداً من حصوله على التكليف ولاحقاً من النجاح فيه فكانت كثيرة صارح بها الخلّص من أصدقائه. وهي الدعم الفرنسي اللامحدود له سواء من الرئيس ماكرون أو من رئيس المخابرات الذي كان سفيراً في لبنان برنار أيمييه، ودعم الأردن الذي طلب مليكه عبدالله الثاني من الرئيس الأميركي بايدن في أثناء زيارته الأولى له في واشنطن مساعدته (أي ميقاتي) لأن لبنان لم يعد يحتمل. هذا فضلاً عن كلام عام عن دعم إقليمي غير عربي له ودعم عربي في الوقت نفسه. وربما تبيّن عمومية الكلام أن ميقاتي لم يكن “مالئاً يده” كما يُقال من تأييد العرب الأقوياء له ولا سيما الخليجيين منهم.

طبعاً وصل هذا الكلام الى قيادات لبنانية أساسية ومهمة عدّة آثر أحدها، وهو مهجوس بخوف مقيم على السلم الأهلي أو من الفوضى التي تسارعت أكثر من مما كان مقدّراً لها، والناصح بالإسراع في تأليف حكومة يتوافق عليها الجميع لأن اللبنانيين ما عادوا قادرين على التحمّل، آثر الاتصال بميقاتي داعياً إياه الى العمل والإفادة من الدعم الخارجي الذي يقول أنه يحظى به وعدم الإتكال عليه وحده للنجاح في مهمته. يذكر اللبنانيون أن الرئيس المكلّف ميقاتي التقى بعد تكليفه بمدة قصيرة وريث عون في رئاسة “التيار الوطني الحر” وأقرب الناس إليه النائب جبران باسيل وقال له بفرح وحبور: “أنا معي العم سام وفرنسا وأبو علي وأبو عمر” محاولاً بذلك إقناعه بأن نجاحه في التأليف حتمي. لكن باسيل الذي لا يمكن إنكار “حربقته وشطارته” وذكائه وإن كان البعض يقلّل من دوره ردّ عليه في سرعة قائلاً: “أين أبو جورج في معادلتك هذه يا دولة الرئيس؟ هل له دور أم لا؟”.

كان بذلك يؤكد له وعلى نحو غير مباشر أن عليه أن لا يتجاهل دور المسيحيين في لبنان وفي تأليف الحكومة، وهؤلاء يمثلهم اليوم الرئيس ميشال عون. وإذا لم يستمع الى هذه النصيحة ويتجاوب معها أو لم يفهمها، وذلك مستبعد لأن ميقاتي معروف بأوصاف عدّة ليست قلّة الذكاء واحدة منها، فإنه لن يتمكن من “اختراق” رئيس الجمهورية وإقناعه بالعمل معاً. علماً أن من يعرفون الأخير يقولون أنه لم يغيّر شيئاً من مواقفه التي دفعت الحريري الى الاعتذار. يعني ذلك أن على ميقاتي أن يؤلّف حكومة عونية بغالبيتها العددية والفاعلة. وإذا لم يفعل فإنه سيعتذر سريعاً تلافياً لتحمّل مسؤولية تفاقم التردّي والفوضى أو بعد أشهر كما فعل “حليفه الحريري”.

هل العرب وتحديداً الخليجيون مع ميقاتي؟ وهل “حزب الله” الذي سمّاه في الاستشارات النيابية الملزمة لتأليف الحكومة سيمارس “قوّته” لإنجاحه ومونته ولا سيما على حلفائه؟