النظام اللبناني المشوّه! – رامي الرّيس – نداء الوطن

قدّمت الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان في هذه الحقبة الداكنة من تاريخه دروساً مهمة في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأخلاق. لكن الأهم أن تُستخلص منها الدروس والعبر. فالنظام الطائفي والمذهبي الذي بُني عليه لبنان وتغلغل إلى كل مفاصل المجتمع، كان وسيبقى أحد أبشع وجوه التخلّف السياسي، لأنه يرسم الحواجز بين المواطنين وبينهم وبين دولتهم، ويصنّفهم في سلم درجات متفاوتة بعيداً من المساواة الجوهريّة في ما بينهم.

لقد كُتب الكثير عن هذا النظام السياسي الذي يواصل توليد الأزمات بفعل طبيعة تكوينه وتركيبته، وبفعل الإساءة المنهجية لدستوره ومؤسساته وآليات عمله، وهو ما يُفاقم المشاكل ويضاعفها على كل المستويات. الحل طبعاً لا يكون باستنباط حلولٍ لا تمتّ إلى الواقع اللبناني بصلة (الفدرالية أحد أبرز الأمثلة الفاقعة) التي من شأنها أن تعمّق الهوّة بين اللبنانيين وتزيد من تشرذمهم وإنقساماتهم، وتشرّعها وتحوّلهم قبائل متنازعة ومتقاتلة ومتقابلة، تتغذّى من مكوناتها الطائفيّة ومن اللاعبين الإقليميين الذين يجيدون ممارسة سياسة التفرقة.




إلا أن ما كشفته الأزمة الراهنة، إضافةً إلى الإشكاليّات التقليدية المتّصلة بعقم النظام الطائفي هو بشاعة وفظاظة النظام الإقتصادي اللبناني. فبالتوازي مع آليات الفساد المستشري في مفاصل مختلفة من الدولة والإدارة والمجتمع، ثمّة شريحة تمارس ما يمكن وصفه بأنه دعارة إقتصادية وتجارية هدفها الوحيد أن تمتصّ دماء المواطنين. الأهم أن هذه الشريحة لا تنتمي إلى فئة أو طائفة أو مذهب بذاته. الجشع واستغلال ضراوة الأزمة المعيشية من دون أي حدود أخلاقية أو إنسانية هو القاسم المشترك في ما بينها.

على سبيل المثال، ظاهرة تخزين المحروقات والتفنّن في طمرها وعدم إكتشاف وجودها كانت ظاهرة معمّمة تقريباً على مختلف المناطق اللبنانية. المهرّبون عبر الحدود والمعابر وتجار النفط في السوق السوداء ينتمون إلى مناطق مختلفة.

إلا أن عمق المشكلة لا يكمن في هذا المجال رغم فداحة المشهد الذي توّج في فاجعة عكار التي تدفع كل مرّة ثمن الإهمال التاريخي لها نتيجة سياسة تهميش الأرياف والأطراف، وإدارة الظهر لسياسة الإنماء المتوازن التي من شأنها تنمية المناطق البعيدة من العاصمة والحدّ من التركيز في المدن الرئيسيّة والكبرى.

المشكلة الحقيقيّة تتمثّل في طبيعة النظام الاقتصادي برمّته الذي هو مزيج غريب من المركنتيليّة المتفلّتة من أي قيود، مع الليبرالية المتوحّشة التي تحظى بحمايات سياسية وطائفية وقانونية (الوكالات الحصرية مثالاً)، من دون أي إعتبار لوظيفة الدولة الإجتماعية ودورها في أن تكون الناظم الأساسي لمجمل الحركة الإقتصادية، تحت سقف الحفاظ على الملكية الخاصة والمبادرة الفردية وحرّية إنتقال البضائع والأشخاص.

ليس المطلوب بطبيعة الحال إعادة بناء نظم إقتصادية ترتكز حصراً إلى أن تكون الدولة بأجهزتها الرسمية تملك ملكية وسائل الإنتاج. هذا النمط الإقتصادي إنتهى وعفا عليه الزمن بعدما سقط بالضربة القاضية في العديد من المواقع حول العالم، ومسبّبات سقوطه تتطلّب تحليلاً عميقاً بعيداً من مآلات الأزمة اللبنانيّة الراهنة وسبل الخروج من النفق.

ولكن أليس ثمّة مساحة إقتصادية وإجتماعية وسطية؟ ألا يمكن أن تحافظ الدولة على دورها في وضع الضوابط التي تحول دون إرتهان البلاد إلى أصحاب المصالح التجارية، بالتوازي مع الحفاظ على الحرّيات الاقتصادية المنظمة وفق قوانين وتشريعات محددة تعتمدها أكثر الدول الأوروبيّة تطوراً؟ من قال إن حكومات السويد وفنلندا والدانمارك وبلجيكا لا تمارس دورها في ضبط الإيقاع الإقتصادي وتنظيمه وفق القواعد والأسس أعلاه؟

لا يمكن للبنان أن يبقى رهينة أصحاب المصالح الإقتصادية والتجارية في الغذاء والدواء والنفط وسواها. لا بد من كسر هذه الاحتكارات. هل تذكرون الوزير إميل بيطار؟