أين ذهبت أموال اللبنانيين؟

حسين عبدالحسين – الحرة

في مخيلة معظم اللبنانيين أن الدين العام الهائل والانهيار الاقتصادي الشامل سببهما، حصرا، فساد المسؤولين في الدولة، وهو فساد تعززه الصور التي تخرج بين الحين والآخر من حفلات الأعراس والأفراح الباذخة لهؤلاء السياسيين، بمن فيهم سياسيي “حزب الله”، الذي يفترض أنه والمنتسبين اليه “أشرف الناس” وأكثرهم تقوى وورعا وعفة.




ولا ينسى اللبنانيون حفل الزفاف الباذخ لابن حاكم “مصرف لبنان” المركزي، وكذلك يوم أحرجت إعلامية أجنبية النائب جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية ميشال عون والمستميت على خلافة عمه، بسؤاله عن ملكية الطائرة الخاصة التي استقلها الى دافوس، فحاول التذاكي بالقول إنها لصديق، أي أنه الفساد بعينه الذي يربط بين السياسيين والمتمولين، ويسمح لأصحاب الأموال بشراء النفوذ.

وبين اللبنانيين فكرة صحيحة عموما حول حجم ثروات سياسييهم. القلة القليلة من هؤلاء السياسيين هم من أصحاب مليارات الدولارات، فيما الغالبية من أصحاب عشرات الملايين. كذلك، لا يمانع عدد لا بأس به من اللبنانيين فساد مسؤوليهم، بل هم يشيرون الى الفارق بين مسؤول “بياكل وبيطعمي”، أي من ينفق بعض الأموال التي اختلسها على أنصاره واحتياجاتهم، ومسؤول “بياكل وما بيشبع”، أي من يكدس الأموال المنهوبة لنفسه ولعائلته بدون أن يشارك أي منها مع مؤيديه.

على أن مجموع ما اختلسه المسؤولون اللبنانيون من المال العام بالكاد يساوي ربع أو ثلث الدين العام على الأكثر، وحتى لو استعادت دولة لبنان هذه الأموال المنهوبة، فهي لن تغير الكثير في مجرى الانهيار اللبناني المريع.

والدين العام اللبناني هو، في شق منه، اسمي، أي أنها أموال لم يتم أنفاقها، بل هي أموال الفائدة التي وعدت دولة لبنان دائنيها بها، خصوصا بعد راحت الدولة ترفع من معدلات فوائدها بصورة خيالية أثناء استماتتها للحصول على النقد الأجنبي. تلك الفوائد صارت ديون برقبة دولة لبنان، لكنها اسمية، ويوم نفدت أموال الدولة، صارت الفوائد رقما لا قيمة له.

وباقتطاع كمية الأموال التي نهبها المسؤولون اللبنانيون، ومعها كمية الفوائد الاسمية الوهمية، يمكن اعتبار أن الجزء الأكبر من الدين العام اللبناني، البالغ مئة مليار دولار، مفقودة بالكامل، فأين ذهبت هذه الأموال اللبنانية التي اقترضها “مصرف لبنان” المركزي من المصارف الخاصة؟

على مدى العقود الثلاثة الماضية، تمتع اللبنانيون بثبات سعر صرف عملتهم الوطنية، الليرة، أمام الدولار الأميركي، وهذا تثبيت يتطلب تكديس احتياط نقد أجنبي، وهو الذي تشكل من ايداعات اللبنانيين في المصارف الخاصة.

هذا يعني أن راتب موظف في دولة لبنان – دكتور في الجامعة اللبنانية مثلا أم عقيد في الجيش اللبناني – البالغ خمسة ملايين ليرة، كان يوازي ثلاثة آلاف دولار، وهو ما سمح لهؤلاء اللبنانيين بالسفر للسياحة أو للعلم أو للاستشفاء خارج البلاد، وهو ما تطلب تحويل الليرات التي يملكونها الى نقد أجنبي يتم سحبه من الاحتياطي الوطني، ويتم انفاقه خارج البلاد.

كذلك، تم استخدام الاحتياطي الوطني في استيراد كل المواد من الخارج، الأساسية منها مثل الدواء والقمح، وغير الأساسية، مثل الثياب والأحذية والالكترونيات وغيرها.

في كل مرة كان لبنان يستورد، كان يستخدم احتياطيه من النقد الأجنبي، وهذا أمر لا بأس لو كان ميزان المدفوعات ايجابيا (أي أن النقد الأجنبي الذي يدخل البلاد أكثر من الذي يخرج منها). لكن حروب “حزب الله” الإقليمية، ومشروع “تحرير فلسطين” المتواصل، كلها أدت الى تقليص السياحة (وتاليا عائداتها بالنقد الأجنبي)، وأدت الى إحجام المستثمرين الأجانب (ونقدهم الأجنبي) عن ضخ أموالهم في لبنان. وفي غياب الاستثمارات الأجنبية، يتقلص رأس المال المتوفر للصناعات المحلية القابلة للتصدير (وتاليا تحصيل نقد أجنبي).

في المحصلة، حافظ لبنان على ثبات عملته، وتاليا على مستوى معيشة مرتفع، لسنوات، بدون أي نمو اقتصادي يذكر، أي أن دولة لبنان أنفقت أموال المودعين لديها بدون قدرتها على تعويض هذه الأموال من أي نمو اقتصادي أو سياحة أو صادرات. وواصل لبنان هذه الوتيرة بالاستناد أكثر فأكثر على الاستدانة، وبفوائد أعلى وأعلى، الى أن بلغ “مصرف لبنان” نهاية الطريق: نفذ الاحتياط النقدي الأجنبي ولم تعد الاستدانة ممكنة.

لقد شارك في عملية دفع لبنان الى الانهيار الشامل كل اللبنانيين، وان بدرجات متفاوتة.

المسؤول الأكبر عن انهيار لبنان الاقتصادي هو “حزب الله”، الميليشيا الثورية التي لا تفهم التناقض بين العيش في ثورة وحروب متواصلة والعيش في سلام مع نمو اقتصادي وبحبوحة. ميليشيا “حزب الله” هي المسؤولة حصريا عن انعدام النمو الاقتصادي في لبنان.

يلي “حزب الله” في المسؤولية دولة لبنان، التي يغرق مسؤولوها في فساد مدقع لا يجاريهم فيه إلا أعتى الحكام فسادا في التاريخ، من أمثال امبراطور إثيوبيا هيلاسيلاسي، الذي تقول الأسطورة أنه كان يطعم كلابه بأواني من ذهب.

“حزب الله” استغل دناءة السياسيين وحبهم لاختلاس المال العام، فاستخدم سلاحه لفرض “انتخابهم” وتعيينهم في مناصبهم – في الرئاسات والحكومات والبرلمانات – وذلك ثمنا لسكوتهم وتغاضيهم عن ميليشياه الثورية غير الدستورية (البيان الحكومي الذي يبرر “المقاومة” ليس دستورا ولا تشريعا، بل مخالف للدستور).

سياسيو لبنانيون بدورهم أدمنوا الثراء الفاحش والعيش الباذخ والتمتع بسلطة ونفوذ يتباهون فيها أمام أقرانهم، اذ ذاك لم يعودوا يرون المشكلة، وان هم رأوها لا يعرفون كيف يحلّونها، فصار شكل لبنان هكذا: اقتصاد ينهار وبلاد تتلاشى، وميليشيا تعيش في عالم أساطير دينية لا تمت الى الواقع بصلة عن ظهور الإمام أو “تحرير فلسطين”، ومسؤولون يعيشون في عالمهم الباذخ المنعزل عن الواقع وينشغلون بمسرحياتهم السياسية التافهة نفسها، وشعب لا يعرف سبب المشكلة وتاليا لا يعرف كيف يحلّها، فيواصل أسلوب حياته القبلية نفسه بالاستزلام للميليشيا أم للسياسيين اللبنانيين.

لبنان ضحية “عاصفة متكاملة”، حسب التعبير الأميركي. أما خروجه من أزمته، فلا أمل يلوح في الأفق.