أيّ أبعاد تنطوي عليها تسمية يوسف الخليل للمال؟

ابراهيم بيرم – النهار

ماذا يعني ان تصدر مراسيم الحكومة المنتظرة هذا الاسبوع او الاسبوع المقبل على أبعد تقدير وفق ترجيحات، وتأكد ان من بين اعضائها الجدد الدكتور #يوسف الخليل وزيراً للمال بحسب كل التقديرات؟




الواقعة إنْ حدثت، والغالب انها ستحدث، تنطوي ولاريب على فيض من الدلالات والمؤشرات ذات الصلة بالمرحلة المقبلة التي تقف البلاد على اعتابها وبما يمكن ان تعتريها من وقائع مختلفة.

اسم هذه الشخصية (يوسف الخليل) والذي يشغل منذ نحو عقدين من الزمن احد ابرز المناصب المهمة في مصرف لبنان، ظهر فجأة في متن الصيغتين الحكوميتين اللتين قدمهما الرئيس سعد الحريري الى رئيس الجمهورية ميشال عون ابان كان رئيسا مكلفا ورفضهما الاخير، فكانت الحصيلة ان اعلن الحريري عزوفه وخروجه من مربع التكليف الذي احتله بقوة الدستور طوال ما يقرب من تسعة اشهر.

واذا كان معلوما ان اسم الدكتور الخليل ظل واردا ومطروحا ايضا في صيغة الاسماء الاولية المرشحة لدخول الوزارة والتي تداولها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي مع الرئيس عون، فان هذا يعني ان الرجل الذي يدرّس مادة المالية العامة والاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت هو ممن يطلق عليهم مصطلح “الثوابت” خلافا للاسماء التي تصعد الى الواجهة لبعض الوقت ثم لا تلبث ان تختفي.

وفي هذه الحال فان السؤال الذي يُطرح تلقائيا هو: ما سر بروز هذا الاسم فجأة الى دائرة التوزير؟ واستطرادا لماذ يصير من الثوابت؟

قبل ان يرد اسم يوسف الخليل (يحمل اسم جده والد المرحوم الوزير والنائب السابق عن صور الدكتور علي الخليل) كان الدكتور يوسف يمضي ايامه بهدوء وروية، ويزاول مهماته الجسام في مصرف لبنان لاسيما بعدما كسب ثقة الحاكم وصار احد اركان دائرته المقررة، ويلقي محاضراته الاسبوعية في الجامعة الاميركية (وهو يصر على التدريس لشغفه بهذا الامر) ويشرف من بعيد على نشاطات لجمعية انمائية محدودة انشأها قبل اكثر من عقدين بشراكة مع جهات اوروبية، وكان لها بعض النشاطات في صور وقراها، ويحرص في الوقت عينه وبشكل اسبوعي على زيارة بيت عائلته ذي الطابع التراثي في احدى حارات صور القديمة وذلك بعدما اعاد ترميمه بأثاث تاريخي ليستقبل زوارا من المنطقة ومن خارجها.

حرصٌ ما بعده حرص على ألا يكون لحركته في الجنوب اي اصداء يمكن ان تثير حفيظة الجهة السياسية التي ما انفكت تعتبر نفسها المرجعية السياسية الحصرية للمدينة الساحلية، خصوصا انه ينتمي الى عائلة كان لها منذ عشرينات القرن الماضي نصيب يعتدّ به في زعامة المدينة (الحاج عبدالله الخليل رأس حكومة صور بعد جلاء الاتراك) وهو ارث ظل ممتدا بشخص عمه الراحل الوزير علي الخليل ثم انقطع بعد وفاته، لاسيما ان الفرع الثاني من العائلة (عائلة الراحل كاظم الخليل) قد اخذ قرارا ضمنيا بالخروج من دائرة المنافسة مع الآخرين لاسباب قهرية يعلمها الجميع مع انهم يجهدون لتبقى بيوتهم مفتوحة في المدينة.
نشاط سياسي وانمائي مدوزن ومدروس يحرص عبره الدكتور يوسف على عدم الافصاح عن رؤى وتوجهات من شأن الآخرين ان يستشفوا منها انه راغب في المواجهة، فالرجل الخارج من بيت سياسي عريق يعرف لعبة الحدود، واستطرادا يعي تماما لعبة الظهور والتخفي، خصوصا انه خاض تجربة سياسية لم تدم الا بضعة اشهر في اواسط التسعينات يبدو انه ندم عليها وخرج منها سريعا، وهي تجربة العلاقة من النائب السابق نسيب لحود عندما اراد تأسيس حركة معارضة وجمع لها عددا من الاسماء المرموقة لكنها تجربة ظلت محدودة.

وبناء على تلك السردية، فان السؤال التالي هو: اذا كان يوسف الخليل لم يمد يوما جسر علاقة مميزا مع ايّ من الثنائي الشيعي، كما انه تجنب الدخول في مواجهة معهما، فمن اين إذن ورد اسمه ودخل دائرة المرشحين الثابتين؟

الابحاث التي اجراها الراصدون لايجاد الاجابة الشافية والمقنعة عن هذا السؤال الجوهري تقودهم الى نتيجة تكاد تكون حصرية، وهي ان الاسم قد ورد عمليا الى دائرة التداول عندما اطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرته الشهيرة تجاه الوضع اللبناني قبل عام مضى وقرر ومَن معه ترتيب عملية اشراف ووصاية على الوضع اللبناني بعد الانهيارات الحادة والمريرة التي ألمّت به وادخلته في عنق زجاجة الازمة، وعندما فقدوا ثقتهم بالطبقة السياسية الحاكمة وقرروا عملية تقاعد قسري لها تبدأ بحكومة اختصاصيين مشهود لهم بالكفاية ولا يرتبطون بأية تجربة سياسية سابقة. والمختصر في حينه ان القرار هو بتأليف حكومة تخلو من اي تمثيل حزبي.

فضلاً عن ذلك كله، فان الدكتور يوسف ليس نكرة، فهو واحد من الذين هم على تماس وعلاقة مع المؤسسات التمويلية الدولية وفي مقدمها صندوق النقد والبنك الدولي، وهو تاليا مصدر ثقتهم في جلسات التفاوض والحوار التي ستجري حتما بعد تأليف الحكومة بهدف اعادة صوغ النظام المالي والاقتصادي في لبنان على اسسس جديدة مقدمة للانقاذ المنشود.

والسؤال يمتد ايضا: اذا كان “حزب الله” يتصرف على اساس ان تسمية وزير المال الشيعي ليست من حصته المقسومة وفق التقسيم المعمول به تاريخيا فآثر الصمت وعدم التعليق، فلماذا لم يبدِ الرئيس نبيه بري اي تردد او يصدر اي اعتراض على هذا الاسم المرشح لتولي وزارة بهذه الحساسية ما اختار لها يوما ومنذ استعادها الى ملكه السياسي الا وزيرا ينتمي الى حركته (علي حسن خليل)، علما ان يوسف الخليل لم يكن يوما من زوار عين التينة.

الجواب الذي يجري تداوله همساً في الاوساط الشيعية وربما غير الشيعية يصب في خانة واحدة: لم يعد بالامكان التصدي للمطالبة بوزارة من هذا النوع وقد قرر العالم بشكل تدريجي وغير مباشر وضع مالية لبنان تحت اشرافه وتحت عنوان ان هذا الفعل اجراء اجباري وممر لازم لانهاض البلاد من كبوتها.

والتسليم هنا يعني بشكل او بآخر تقديم عربون قبول بالامر الوقع وتدارك للاسوأ.