فاجعة عكار وأحقاد العهد

مصطفى فحص – الحرة

عندما سألوه “إلى أين نحن ذاهبون”، قال “إلى جهنم”، في تلك اللحظة كان جوابه حقيقيا، وفجر اليوم تحققت مقولته، فقد شاهد اللبنانيون جهنم للمرة الثانية بالعين المجردة. فجر عكار أضاءته النيران المشتعلة وليس الكهرباء المقطوعة، لكن ما اعتاد صناعة الموت والحرائق والخراب، عاد إلى معتاده ولم ير بجهنم التي بشرنا بها إلا عملا صنعه التطرف.




لم يتلفت صاحب الاتهام لا لجغرافيا الفاجعة ولا للخليط الديمغرافي، دون أدنى مراعاة للحساسيات الطائفية، صوّب صاحب الرؤية اتهاماته نحو إرهابيين حذر منهم، والشاهد على تحذيره المجلس الحربي الذي التأم صباح الفاجعة ليؤكد أن كلام من يقوده أصاب، لكنه لم يلتفت أنه أصاب لبنان.

صاحب بعبدا الذي اكتشف البارود صباحا، لم يكتشف حتى الآن أن بلاده تعيش فوق بحر من البارود، أو مواطنيه فيما تبقى من دولة ضحية كرسي وتمسكه به، وسلطة  وهمية يبحث عنها، ولم ير إلا متطرفين يريدون إشعال فتنة حذّر منها، فهو بدل أن ينكس أعلامه، أطلق موقفه الذي لم يختلف عن حروبه الوهمية، وبشرنا بأنه قال: “سبق أن عرضت في الجلسة الأخيرة للمجلس تقريراً عن الوضع في منطقة الشمال، وتحديداً أنشطة جماعات متشددة لخلق نوع من الفوضى والفلتان الأمني، وطلبت من قادة الأجهزة الأمنية الاجتماع للتنسيق فيما بينهم واستنتاج الخلاصات ليبنى على الشيء مقتضاه”.

ما يريد أن يبني على مقتضاه هو أن حادثة عكار تقف خلفها خلايا إرهابية، تنتمي إلى بيئة معينة تُتهم دائما بالتطرف، وهذا الاتهام بالنسبة له يتسع ليشمل طائفة بأكملها ويستهدف من خلفها طائفة أوسع هي طائفة “17 تشرين”، فالأخيرة التي حولت عهده وعهد عائلته ومن أوصله ومن يحميه إلى كوابيس في نومهم وفي يقظتهم، طائفة لا يمكن إخضاعها حتى من خلال خطاب الكراهية وبث الفتنة الطائفية.

الكراهية ضد عكار وأهلها ليست منفصلة عن الكراهية لطرابلس وساحتها، وبيروت وتمايزها، واستهداف مكون معين احتاج العهد إلى تفكيكه وإعطابه سياسيا واجتماعيا حتى يتمكن من الحكم، وهذا ما يتوافق عليه كل من يقف مع العهد سرا وعلانية.

فالموقف من فاجعة عكار أبعاده سياسية بالرغم من أن صاحب بعبدا حذر هو من تسييسه، واستغلاله طائفيا، هذا الموقف طبعا ليس بهدف حماية الاستقرار ولا العيش المشترك، بل نتيجة قلقه الدائم وتوتره من أن تتحول الفاجعة إلى دافع جديد للتشرينيين الذين هزوا أركان العهد.

فيما المنظومة الحاكمة منشغلة بالترويج لخطاب الكراهية، يواجه لبنان أول تصدعات الارتطام الكبير، الذي لن تستثني تداعياته أي طرف،  وستكون أشد من أن تستوعبها طائفة أو جماعة، لذلك ستلجأ المنظومة الحاكمة للتحريض الطائفي من أجل شد عصب جماعته، خصوصا إن كانت الحكومة – إذا تشكلت- ستقوم بمهمة إجراء الانتخابات، وهي فرصة المنظومة الأخيرة من أجل إعادة تعويم نفسها وتركيب السلطة من جديد، من خلال إحياء الفرز الطائفي والمذهبي كآخر أدواتها التي قد تؤمّن لها فرصة الاحتفاظ بسلطتها.

الأخطر مما حدث في قرية تليل أنه يمكن أن يحدث في أي منطقة أو حي في لبنان، فهناك عصابة تهريب تديرها جهات سياسية نافذة،  تخزن المشتقات النفطية بهدف تهريبها إلى سوريا أو لبيعها داخل السوق المحلية بأسعار مرتفعة، حيث توجد كميات مهولة من مادتي المازوت والبنزين مخبأة بأماكن سكنية تفتقد إلى أدنى مستويات السلامة، غير الكميات الموجودة بين البيوت والأحياء السكنية والتي تستخدم بشكل فردي، وهي الآن قنابل موقوتة، قد تنفجر بسبب احتكاك ما أو كما حدث في عكار.

عود على بدء، إلى صاحب بعبدا وقراءته في كف التطرف، وتحريضه الطائفي لم يتعلم من كل تجاربه السابقة واللاحقة بأن هذا البلد أصعب من أن يمتلكه مشروع أو يحرقه نيرون*.

*”قيصر نيرون” في إشارة إلى القيصر الروماني “نيرون” الذي أحرق روما انتقاما من المسيحيين.