“حزب الله” والانتخابات وولادة الحكومة: ارتياح إلى الاستحقاقَين

ابراهيم بيرم – النهار

على غرار سلوك كل القوى والمكونات السياسية، يخصص “حزب الله” حيزا من اهتماماته ليرصد بدقة وشفافية كل ما اشيع اخيرا عن “ميقات حاسم ومحطة مفصلية” ينتظرها المناخ السياسي تتمثل في جولة الانتخابات النيابية المقبلة (المحددة مبدئيا بعد نحو ثمانية اشهر)، والرهان على ان تكون النتائج التي ستلفظها صناديق الاقتراع (إنْ قُدّر لها ان تُنصب) بمثابة جسر عبور شبه مضمون الى اكثرية جديدة يحققها ائتلاف قوى قرر الوقوف على طرف نقيض من المحور السياسي الذي يشكل “حزب الله” فيه قطب الرحى، بهدف تقويض الاكثرية الحالية التي افرزتها انتخابات عام 2018.




عملية الرصد تلك ليست بالضرورة ردة فعل على عملية “تهويل” يومية مقرونة ببروباغندا اعلامية يلوّح برايتها اكثر ما يكون رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، بل ويعمد في كل اطلالته الاعلامية الى التبشير والوعد بمنظومة احتمالات سياسية واعدة له ولمن سار في ركابه.

أمر طبيعي ان يسلك جعجع هذا المسلك بعد الدور الذي تنكّبه والمهمة التي تصدى لها، فهو يسعى منذ زمن الى إثبات انه سيد الموقف في ساحته بعدما تلقّى خصمه الالد (“التيار الوطني الحر”) اكثر من ضربة. ولكن الحزب، وفق مصادر على صلة به، يبادر الى التوقف عند كل هذه “الحملة” من زاوية اخرى وحسابات مختلفة، خصوصا بعد ارتفاع منسوب الكلام عن “تحضيرات” تعدّها في غرف موصدة “مجموعات تعمل وفق الموجة الاميركية وتسترشد بهديها”، وهي تنفذ امر عمليات عنوانه العريض: ان اهجموا فميقات الانتخابات المنتظرة ضالتكم المنشودة وموعدكم المأمول للقبض على زمام الاكثرية لكي تعيدوا تكوين سلطة وادارة جديدة. والى ذلك الحين لكم منا وعد بكل الوان الدعم والاسناد.

هذه المعادلة وما يبنى عليها من استنتاجات باتت تجسد حبل السرة الذي يتغذى منه يوميا كل الذين اختاروا عن سابق تصميم ان يضعوا انفسهم في موضع مقارعة الحزب ومَن والاه توطئة لسحب بساط نفوذه وسطوته الثقيل عن المشهد السياسي، لها عند الدوائر المعنية والراصدة في الحزب من الوقائع والمعطيات ما يقارعها ويناطحها، وتاليا يكبح جماح المراهنين على ساعة حلولها.

لاريب في ان الاعتبارات التي تأخذ الحزب الى هذا الفضاء من الاطمئنان المسبق متعددة، بعضها يعود الى احصاءات واستبيانات كلّف بوضعها متخصصون بالشأن الانتخابي، وبعضها قراءة معمقة للمزاج الشعبي ولنبض الشارع، واستطرادا واقع الساحات اللبنانية، فضلاً عن ان الحزب الذي يعي تماما حجم قرار الآخرين بمنازلته ومقارعته لمرة اخيرة لا يمكنه الوقوف مكتوفا، فهو يملك من المقدرات والحصافة السياسية ما يؤهله للرد على التحدي عندما يحين الاوان.

بيد أن ثمة معطيين آخرين خاصين يستند اليهما الحزب ليطلق استنتاج الاطمئنان النسبي:

الاول ان الدوائرالمعنية في الحزب حصلت قبل فترة وجيزة على تقرير اميركي محدود التداول شارك في وضعه خبراء ومتخصصون اميركيون، خلاصته الاستنتاجات الآتية:

– ان القدرة على التأثير في مسار العملية الانتخابية المقبلة (دورة الـ 2022) هي محدودة ولايمكن الرهان عليها لاستشراف تغييرات وتحولات يعتدّ بها ويبنى عليها.

– يتعين ان ينصبّ العمل والجهد من الآن فصاعدا على تحقيق التغيير المنشود وجني ثماره في جولة الانتخابات التالية (دورة الـ 2026).

– مع ذلك يتعين العمل (وفق التقرير) لتحقيق مكاسب تأسيسية ابرزها ادخال مجموعة أياً يكن حجمها متواضعا (التقدير ما بين خمسة وسبعة) الى البرلمان المقبل تحت مسمى مرشحي قوى المجتمع المدني تكون بمثابة “حصان طروادة” لما يلي، وكمؤشر لبداية ما يمكن اعتباره تغيرا وتحولا في المزاج الشعبي وبرهانا على تآكل الاحزاب وسطوتها في الاجتماع اللبناني.
الثاني ان الاستنتاج عينه تقريبا تم التوصل اليه في ندوة مقفلة ومحدودة الحضورعُقدت قبل فترة قصيرة في احدى الجامعتين الاميركيتين في رأس بيروت وشاركت فيها شخصية ديبلوماسية، الى عدد من اصحاب الخبرة.

وقد اضيف الى الاستنتاج عينه استنتاج آخر مكمل جوهره ان النظام الطائفي المتحكم بالبلاد ما برح، رغم كل ما احاق به من ازمات وانتابه من علل وامراض، على قدر من المتانة والقابلية للعيش على نحو يحتاج الى بذل مزيد من الجهود بغية إحداث الخروق والتغيير المنشود. والى ذلك الحين يتعين التعامل مع الامر الواقع.

ومع ذلك فان الدوائر عينها في الحزب لا تتعامل مع هذه الوقائع وكأنها خالدة لا تقبل التحول او الزوال، بل تنطلق منها لاستنتاج خلاصتين معا:
الاولى احتمال ان يكون هذا الستاتيكو الذي اقربه مقدمة لامكان الافراج اخيرا عن الصيغة الحكومية المنتظرة منذ زمن مادام ان “المراهنين على نتائج الفراغ والفوضى قد اقاموا على معادلة ان ما كُتب قد كُتب الى امد غير منظور”، وان الاستثمار في الانهيار وتداعياته قد بلغ الذروة خلال العامين المنصرمين وبات الرهان عليه وضمان حمايته من الآن فصاعدا مكلفا وغير مجدٍ اذا كان المقصود محاصرة الحزب وارباكه، واستتباعا تكبيل يديه عن الفعل والتأثير.

وتمضي الدوائر عينها في استنتاجها المطمئن والواثق الى خلاصة فحواها اننا نتلمس عمليا على مستوى ولادة الحكومة اختراقا يعتدّ به في جدار عملية التأليف، وان معلوماتنا ان النقاش قد تعدى مسألة توزيع الحقائب وهي العقدة الاكبر سابقا ليدخل المعنيون في مسألة الاسماء.
وعليه ثمة احتمال كبير ان تشهد البلاد ولادة حكومتها المنتظرة في الاسبوع المقبل.