حسان دياب صحّ النوم الارتطام هنا… وحكومة ميقاتي!

سابين عويس – النهار

لا شكّ أن ساعة الصفر للارتطام الكبير قد سرع وتيرتها اعلان حاكم المصرف المركزي توقفه عن دعم استيراد المحروقات والاستعاضة عن ذلك بالدفع بـ #الدولار وفق سعر السوق. إعلان القرار كان مجرد مسألة وقت تُرك توقيته للحاكم نفسه بعدما قرر أولياء القرار تحميله مسؤولية الإعلان. فالحاكم أكتافه عريضة ويتحمّل، ولا بأس في جعله كبش فداء في زمن الضعفاء والباحثين عن شعبية مفقودة على أبواب أشهر صعبة لحملات انتخابية تقتات من مال الدعم وخزانات المازوت والبنزين ومستودعات الأدوية المخبأة بالقرض الحرام للأيام السود.




بات من المستحيل في الأيام القاحلة التي يعيشها لبنان اليوم إيجاد من يملك الجرأة على اتخاذ القرار والإعلان عنه وتحمّل تبعاته، فيما المتوافر في سوق العرض وبكثافة من يعتقد أنه يملك ما يكفي من الحنكة أو الدهاء السياسيين لإشاحة النظر عن أصحاب القرار وتلبيسه لمن كان جسمه “لبيس”، وجلده قاسياً بما فيه الكفاية لتلقي الضربات.
لكن ما فات أصحاب الحنكة من أولياء السلطة والقرار أن الوقت لم يكن كافياً للنسيان بين جلسة للمجلس الأعلى للدفاع واُخرى استدعى فيها رئيس الجمهورية حاكم المركزي لاستيضاحه أسباب إعلانه وقف الدعم وتوبيخه على قرار كان ابلغه للرئيس وشلة المجلس قبل أقل من 24 ساعة. إنه فعلاً النسيان، ولكن ليس على مستوى العامة من الشعب الذي يتابع اخبار الدعم لحظة بلحظة، وإنما على مستوى سلطة يمحو نهارها التزامات ليلها!

قد تكون مسرحية العهد التي اختار التيار الوطني الحر ركب موجتها للتظاهر ضد “الجريمة الموصوفة” لرياض سلامة كما وصفها زعيم التيار جبران باسيل، قد بلغت حدودها أمام منزل سلامة، فأشاحت النظر عن تنازلات تُقدم في الملف الحكومي تمهيداً لولادة ثمة في أوساط بعبدا من يعتقد أنها باتت قريبة، ولكن ماذا عن مسرحية حكومة تصريف الأعمال التي صحا رئيسها فجأة على الإجراءات المطلوب اتخاذها لتواكب قرار رفع الدعم.

ففي بيان شديد اللهجة، (لو لم يُعلن أنه صادر عن رئاسة الحكومة لكان الانطباع وشيكاً بأنه صادر عن جسم نقابي أو اقتصادي من القطاع الخاص)، شكا دياب من قرار المصرف المركزي ووصفه بأنه مفاجئ وغير مسؤول، إذ سبق إصدار البطاقة التمويلية والمرحلة الانتقالية الضرورية لترشيد الدعم، محملاً سلامة مسؤولية التداعيات الكارثية وغير المحسوبة العواقب بقرار آحادي من جانبه، ومعتبراً أن المصدر الأساسي لكل الأزمات الراهنة هو انهيار سعر الليرة نتيجة السياسات المالية والنقدية المتراكمة (..).

فات دياب والمجتمعين في السرايا أنه مضى على سياسة الدعم نحو 20 شهراً، وهي جاءت بديلاً عن دعم الليرة، بعدما قررت حكومته وقف هدر الاحتياطات على سياسة تثبيت سعر الصرف والاستعاضة عنها بدعم السلع الأساسية: المحروقات والمواد الغذائية والأدوية. وقد كلفت سياسة الدعم نحو 9 مليارات دولار من الاحتياطي.

فاته أيضاً أن وزير اقتصاده قرر توسيع السلة الغذائية والاستهلاكية إلى 300 سلعة من الكماليات والضروريات على السواء لذوي الدخل المحدود والفقراء كما الميسورين على السواء، ولم يكلف نفسه أو أجهزة وزارته عناء مراقبة وصول هذه المواد الى مستحقيها، بحيث جالت رفوف السوبرماركات في العالم حاملة دامغة وزارة الاقتصاد للسلع المدعومة.

فاته أيضاً أن انهيار العملة لم يقتصر على السياسات المتراكمة، بل أيضاً نتيجة قرار حكومته التخلف عن سداد الديون السيادية بقرار آحادي من دون أن يتزامن مع بدء المفاوضات مع الدائنين التي كُلفت شركة لازارد القيام بها، وتخلفت عن ذلك حتى تاريخه.

وفاته أيضاً أنه لو عمد إلى وقف التهريب ومواجهته تماماً كما يواجه اليوم قرار رفع الدعم، لما كان اضطُر للوصول إلى رفعه، وكان أمكن مع خطة مدروسة لترشيده إطالة أمده أكثر.

وهل نذكّر دولة الرئيس أن الاحتياطات التي يتم التصرف بها هي أموال الناس التي وظفتها المصارف الزامياً لدى المصرف المركزي؟ أو نذكّره ونذكّر معه المعترضين والمنتقدين للقرار أنه ليس آحادياً، بما أنه لم يصدر عن الحاكم، بل عن المجلس المركزي الذي عينته حكومة العهد ويضم ممثلين لرئيس الجمهورية وممثل لرئيس المجلس وآخر لرئيس الحكومة؟

وعليه، لماذا لم يتم ترشيد الدعم ولماذا لم توضع البطاقة التمويلية حيز التنفيذ، ولماذا لم ينفذ لبنان مندرجات الاتفاق النفطي مع العراق بما يتيح تخفيف حدة الأزمة ولجم الانهيار التام، كما هو حاصل اليوم؟ ولماذا لا تعترف الحكومة المستقيلة بفشلها وعجزها عن إدارة شؤون البلد والتفعيلة التي أعلنتها بنفسها؟

الثابت أن قرار رفع الدعم صدر ولا تراجع عنه، لا من جانب المصرف المركزي، ولا من جانب السلطة رغم حفلة التباكي والشتم التي تقوم بها. أما آلية التنفيذ فستتبلور خلال الأيام القليلة المقبلة، وذلك بعد نفاد المخزون الموجود لدى المحطات. أما المخزون لدى شركات التوزيع، فإما يوزع وفق السعر المدعوم كما تم استيراده ودفعه، واما يرفع سعره ولكن بعد الكشف عليه من قبل الجمارك التي يفترض ان تحدد حجم المخزون والمقدر بأكثر من ٨٠ مليون ليتر.

أما بالنسبة إلى الاستيراد الجديد فسيتم وفق قرار المركزي الذي حدد موعد تطبيقه الثاني عشر من الشهر الجاري. وهذا يعني أن الاستيراد سيخضع لسعر النفط العالمي ويدفع بالدولار عبر المركزي وفق سعر الصرف في السوق السوداء. وسيترتب على وزارة الطاقة أن تصدر جدول تركيب الأسعار وفقاً لذلك، في ظل عدم وجود اي خيار آخر أمام التجار والمستوردين.

الخيار الوحيد الآخر المتاح لوقف السير بقرار رفع الدعم يكمن في إعداد مشروع قانون إلى المجلس يجيز للمصرف المركزي التصرف بالاحتياط. ولكن هذا الخيار مستبعد لأن الحكومة المستقيلة لا تملك صلاحية إرسال مشروع قانون إلى المجلس، فيما لم يتبرع بعد أي من النواب المعترضين علناً على رفع الدعم باقتراح في هذا المعنى. في المقابل، السباق مع تشكيل حكومة ميقاتي زادت وتيرته في ظل معلومات ان همروجة الاعتراض على الدعم تخفي في طياتها تنازلات يقدمها العهد للرئيس المكلف بات هو نفسه عاجزا عن التصديق أنها صحيحة!