قاسم يوسف - أساس ميديا

خارطة استعادة التوازن (1): إعتذار ميقاتي أوّلاً – قاسم يوسف – أساس ميديا

بدأت مرحلة التصدّعات الكبرى في جسد السنّيّة السياسية منذ إسقاط حكومة سعد الحريري تزامناً مع دخوله إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي في عام 2010. وما كانت هذه الخطوة لتترك آثارها الكارثية والعميقة لو لم تُستكمَل آنذاك بتكليف نجيب ميقاتي تشكيل حكومة جديدة. إذ إنّ تلازم الخطوتين ساهم على نحو مباشر في تحويل سُنّة لبنان إلى ما يشبه اللاجئين السياسيين في جمهورية يقبض على رقبتها حزب الله، وساهم أيضاً في التأسيس لمسار طويل من الاستضعاف والابتزاز السياسي الذي لامس حدوداً غير مسبوقة، بدءاً من تذكرة الذهاب بلا عودة التي قطعها ميشال عون لسعد الحريري، وصولاً إلى فرض عرف جديد يقضي بتعيين رئيس حكومة لا يحظى بأيّة شرعية سياسية أو شعبية أو طائفية.

هذه الفجوة الرهيبة التي تمّ التعامل معها لاحقاً باعتبارها أمراً واقعاً لا بدّ من القبول به والتعايش معه، أسّست لِما يشبه الانهيار المتدرّج والكبوات المتراكمة. لأنّ مواجهة نجيب ميقاتي اقتصرت يومذاك على ردّة فعل عابرة تبرمجت في دار الإفتاء برعاية الرئيس فؤاد السنيورة، ولم يتمّ التعاطي مع كلّ حيثيّاتها وتداعياتها انطلاقاً من كونها انقلاباً كامل الأوصاف، ليس على الشرعية السياسية والشعبية وحسب، بل على موقع السُنّة في المعادلة الداخلية والوطنية. وهذا تحديداً ما أعطى انطباعاً ناجزاً وأكيداً يتيح للآخرين مزيداً من العبث، استناداً إلى شعورهم بأنّ الاعتداء السياسي والدستوري لن يُقابَل إلا بالرضوخ، ودائماً تحت سقف الصبر والاستيعاب والمصلحة الوطنية، الأمر الذي دفعهم إلى أن يتجرّأوا على مزيد من القضم السياسي للصلاحيّات، وإلى مزيد من الاستنزاف الهائل لكلّ الحالة السنّيّة السياسية التي تراجعت وتقلّصت، حتى كادت تصبح أثراً بعد عين.




ساهم ابتعاد سعد الحريري لسنوات عن يوميّات البلد والناس في تعميق هذه الفجوة وتوسيعها، وفي دخول سُنّة لبنان مرحلة اللايقين، خصوصاً بعد شطب اللواء وسام الحسن بالاغتيال، وبعد انعدام القدرة على صرف مفاعيل هذا الشطب من خلال قلب الطاولة بوجه الجميع ردّاً عليه، انطلاقاً من الأسباب نفسها التي دفعت الآخرين إلى مزيد من التجاسر ومدّ اليد. وهذا كلّه جاء نتيجةً طبيعيةً للتراخي الذي لامس حدود لفلفة الدم، توازياً مع الإصرار المجنون الذي حمل نجيب ميقاتي على استكمال انقلابه في مواجهة الوجدان السُنّي العامّ. حدث ذلك أيضاً، وإن بمفاعيل أقلّ، بعد اغتيال الوزير محمد شطح، العقل الغربي النيّر، والواسع الأفق في كلّ الاتجاهات.

مع استقالة نجيب ميقاتي ووصول تمّام سلام إلى رئاسة الحكومة تحت سقف “ربط النزاع” مع حزب الله، بحسب الحريري، بدأت رحلة الانعطافة السياسية من “المواجهة المفتوحة” إلى “منطق التسوية” الذي لا بدّ منه. لكنّ المشكلة تبلورت في التطبيق، حيث إنّ المصلحة الوطنية العليا كانت مجرّد شمّاعة علَّق عليها سعد الحريري خياره السياسي بالارتصاف ضمن اللعبة الداخلية لحفظ موقعه الشخصي فيها. فكان أن أوصل ميشال عون إلى قصر بعبدا، وبدأ معه مسيرة طويلة من التنازلات والتجاوزات التي تخطّت كلّ الحدود، وتحوّلت يوماً تلو آخر إلى أمر واقع لا يمكن الخروج منه بسهولة الولوج إليه.

استقال سعد الحريري بعد رحلة طويلة من النزف الشخصي والسياسي والشعبي الذي يتحمّل منفرداً كامل مسؤوليّته، وبعد عطب بنيويّ في العلاقة مع الرياض لامس حدود القطيعة الكاملة. لكنّ هذه الاستقالة لم تؤسّس لأيّ تغيير ملموس في الواقع السياسي، ولم تُترجَم إلا بمزيد من الاستنزاف. فهو سارع إلى تسمية أو تبنّي بدائل عنه، وإلى حرق مَن تيسّر له حرقه من الشخصيات المرشّحة، وصولاً إلى تشكيل حكومة حسان دياب، وهذه كانت بمنزلة الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

فتحت هذه الحكومة الباب على مصراعيه، ليس للاعتداء السياسي وحسب، بل شكّلت الوجه الأبرز للإجهاز والسحق الكاملين على هذه الحالة السياسية المصابة بالتوتّر والهوان والضياع. وهكذا استحال الرجل، الذي لا نعرف اسمه ولا تاريخه، رئيساً للحكومة وقابضاً على الموقع الأوّل للسُنّة ضمن تركيبة النظام، من دون أن يُقابَل هذا السحق بأيّ إجراءات جدّيّة ووازنة للمواجهة، أو حتى الاعتراض. وكلّ ما شهدناه في هذا الإطار لا يعدو كونه محاولات لرفع العتب.

بعد المبادرة الفرنسية، كُلِّف مصطفى أديب، ثمّ اعتذر ورحل بعد ارتطامه بميشال عون. ثمّ كُلِّف سعد الحريري وبقي يناور ويحاول على مدى أشهر، لكنّه سلك المسار نفسه الذي سلكه سلفه بعد الوصول إلى النتيجة نفسها. ثمّ، وبعد هذا كلّه، يتمّ تبنّي ترشيح نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة، ضمن مشهديّة عبثيّة تستعصي على الفهم وعلى الإدراك، وهي تشبه تماماً ذاك الذي يعيد التجربة ألف مرّة، وفي كلّ مرّة ينتظر نتيجة مختلفة.

في مرحلة ما قبل تكليف مصطفى أديب، اقترحت السعودية اسم نوّاف سلام، وهو السفير والقاضي الدولي والأستاذ الجامعي، والأهمّ أنّه من عائلة سياسية تقليدية، لكنّه يلاقي هوى الثوار، سواء عن استحقاق أو عن غير ذلك من المعايير. فإذا بسعد الحريري يتفاخر بالردّ أنّه سمّى مصطفى أديب. ولهذا تفسيران:

– الأوّل أنّه يريد أن يثأر من السعودية بدلاً من أن يثأر لها، وهو “الأصغر” في الحالتين. إنّما الأهمّ أنّه لم يَزِد إلى إصاباته إصابةً جديدةً وعميقةً لعلاقته مع القيادة السعودية فقط، بل إنّ تصرّفه هذا أخرج السُنّة، ولو بشكل مؤقّت، من خريطة الأولويّات السعودية. وهذا ما لم يوافقه عليه أحد. لأنّه أصلاً لم يستشر أحداً في مساره هذا.

– الافتراض الثاني أنّه وضع كلّ “بيضه” السياسي في سلّة حزب الله. لكنّ الاحتمال الأوّل هو الأقرب إلى المنطق، لأنّ رصيد تنازلاته لحزب الله المتكرّرة والمتراكمة، حتّى على باب محكمة والده الشهيد، فضلاً عن الداخل اللبناني، هذا الرصيد كافٍ لتسميته نوّاف سلام من دون تأمين تكليفه. فالحزب لا يستطيع الاستغناء عن خدماته.

لكن ماذا بقي من المشهد؟

الآن يتصدّر رؤساء الحكومات واجهة السنّيّة السياسية على صورة المياومين الذين يعملون على القطعة. فنّهم لا يمتلكون أيّ تصوّر استراتيجي، ولا أيّ خطة عمليّة، للتعامل مع سلسلة الأزمات التي تعصف بلبنان أوّلاً، وبموقع مَن يُمثّلون في المعادلة السياسية والوطنية ثانياً، وبكامل الحضور السنّيّ الأعمّ والأشمل ثالثاً. وهم إذ يعمدون إلى ممارسة هذا النشاط في أوقات فراغهم، وكأنّه هواية أو رفع عتب، فإنّهم ينطلقون في ذلك من عدميّة لا يُمكن أن تؤسّس إلا لمزيد من الترهّل والضياع.

1- فؤاد السنيورة، مثلاً، مُصرّ منذ سنوات طويلة على إعادة إنتاج الكلام نفسه والأدبيّات نفسها، ضمن بيانات تقليدية ومواقف مستعادة وخطابات صارت تبعث على الملل، من دون أن يُسجّل أيّ خرق يُذكَر في المجال العمليّ. وهو إذ يرفع أحياناً السقف إلى منتهاه، لا يلبث أن يعود سريعاً إلى قواعده، بل إلى إعادة استنساخ المسار المملّ نفسه، وكأنّه اكتفى من حكومته الأولى بما حقّقه في العامين 2005 و2007 وهو كثير وكبير.

2- تمّام سلام الصامت الدائم، غير معنيّ إلا بحضور الجلسات كلّما دُعِي إليها. آخر مواقفه الواضحة تمثّلت في رفضه تشكيل أيّ حكومة في عهد ميشال عون. وكفى الله المؤمنين شرّ السؤال.

3- أمّا سعد الحريري فهو متوثّب. متوثّبٌ لماذا يا ترى؟ لإعادة الاعتبار إلى شرعية زعامته وحصرية مرجعيّته لسُنّة لبنان. بوجه مَن؟ بوجه السعودية.

وهو قال، في إطلالته الكارثية مع مريم البسّام: “نلتقي في الانتخابات”. جاء كلامه على شاكلة دعوة إلى المبارزة. ولكن ليس ثمّة خصوم. فهو في الحقيقة أصبح لاجئاً سياسياً عند نبيه برّي، ولاجئاً أمنيّاً عند حزب الله. وقد دخل في سلسلة من التفاهمات الانتخابية وغير الانتخابية مع عدد لا بأس به من منافسيه في طائفته. ولا يوجد مناطق ذات أهمية انتخابية يتداخل فيها مع التيار الوطني الحر. فمَن يُبارز إذاً يا ترى؟

الثابت أنّه حاول، ولا يزال يحاول، أن يتمرّد على الرفض السعودي القاطع للتعاون معه: مرّةً عبر الاحتماء بالمعادلة الداخلية المتمثّلة بالثنائي الشيعي، ومرّاتٍ عبر اللعب على التباينات الإماراتية – السعودية من جهة، والمصرية – السعودية من جهة أخرى. لكنّ كلّ محاولاته باءت بالفشل، فصار يريد لكلّ السُنّة أن يرتصفوا إلى جانبه في حربه الصامتة مع الرياض، التي تدور أساساً حول أسباب شخصية وماليّة وداخلية لم تعد خافية على أحد، وهم لا علاقة لهم بها من قريب أو بعيد.

4- أمّا نجيب ميقاتي فقد صار أسير شطارته وزئبقيّته. يظنّ أنّ الأزمة القائمة قد تُعالَج بأسارير منفرجة وكلمات حمّالة للأوجه، أو عبر محاولات لتدوير الزوايا استناداً إلى المواءمة القسرية بين الشيء ونقيضه. وهو في ذلك يسعى إلى رتق فجوة هائلة ورهيبة. تلك الفجوة التي وضع حجر أساسها بنفسه عقب انقلابه المرير على سعد الحريري. ثمّ عاد سعد الحريري وبنى فوقها جبلاً من التراكمات والكبوات والتنازلات والسوابق التي يصعب هدمها بممارسات يومية أو تقليدية، بل بصدمة مدوّية على شاكلة زلزال. هذا لا يمنع ميقاتي في عمق تفكيره أنه بدأ بالثأر لما تعرض له في حكومته الثانية.

لم يستوعب هذا النادي بعد أن لا شخص بمفرده، منهم أو من غيرهم من المرشّحين لرئاسة الوزراء، عن رغبة أو عن استحقاق، قادر على استعادة التوازن بين الرئاسات الثلاث الأولى في الدولة. فقد انكسر دور توزيع السلطات وإداراتها في رئاسة مجلس الوزراء مع سعد الحريري، واختفى مع حسان دياب. لا يُستعار أيّ تشخيص آخر أيًا كان. وإذا ظنّ نجيب ميقاتي أنّه سيعيد الدور إلى الموقع فهو واهم لأسباب صارت عميقة، في مقدّمها الجرأة على قضم هذه الصلاحيات، فكيف بغياب دعم الإقليم الذي مثّلته السعودية لعشرات السنوات، ولا تزال حائزة على هذا التمثيل مهما حاول آخرون في الداخل أو الخارج تجاهله.

إذاً: ما العمل الآن؟

أولاً، وعلى وجه السرعة: اعتذار نجيب ميقاتي عن عدم تشكيل حكومة، لأنّه أساساً لن يستطيع أن يُشكّل الحكومة، مهما استخدم رشاقته السياسية ومهاراته اللفظية، ولا قدرة لديه ولا لدى غيره على إرساء أيّ توازن سياسي في الوقت الراهن. وهو سيعتذر حتماً في نهاية المطاف، لكن بعد إرهاقه واستنزافه وتضييع مزيد من الوقت.

ثانياً: عقب الاعتذار مباشرة، لا بدّ من الإسراع إلى عقد اجتماع موسّع في دار الفتوى يضمّ مفتي الجمهورية ومفتي المناطق، بالإضافة إلى رؤساء الحكومات والنواب ومجموعة مختارة من القيادات والفعّاليات السنّيّة الوازنة. والهدف هو الخروج بنصّ واضح وصريح، مفاده أنّ هذه الدار وهذا الحضور يرفضان تشكيل أيّ حكومة ما دام ميشال عون في قصر بعبدا، ولن يغطّيا أيّ شخص يتمّ تكليفه لهذه المهمّة، بل وسيعتبره الحاضرون خارجاً عنهم وعن اتّفاقهم وإجماعهم وإجماع مَن يُمثّلون، وعن المصلحة الوطنية العليا التي تستدعي أوّلاً، وقبل أيّ شيء آخر، إسقاط رئيس الجمهورية أو مقاطعته حتى نهاية عهده. ويلي هذا الاجتماع استعراضٌ للأسباب الموجبة التي دفعت إلى اتخاذ هذا الخيار.

ثالثا فور الإعلان عن الصدمة، يتمّ تشكيل وفد مصغّر – لا يضمّ سعد الحريري طبعاً – مهمّته القيام بجولة عربية تبدأ من المملكة العربية السعودية، على أن يكون هدفها الأساس إعادة وصل ما انقطع، والتأسيس لمرحلة جديدة من الثقة المتبادلة ومن التفاهم والتفهّم، بعيداً من اختصار الطائفة برمّتها بشخص واحد، فضلاً عن الإضاءة المباشرة على الواقع السياسي في البلاد، وعلى مصير السُنّة في المعادلة الداخلية، وما يترتّب على ذلك من رسم خارطة طريق متكاملة لإنقاذ لبنان ومساندة أهل الدولة في معركتهم السيادية بوجه الاحتلال الإيراني.

بعد اعتذار نجيب ميقاتي، ثمّ الصدمة المباغتة التي سيحدثها الحُرم الطائفي والسياسي، ثمّ اعتزال سعد الحريري، ولو لفترة، وصولاً إلى التوثّب نحو استعادة الحضن العربي، تأتي المهمّة الأصعب: العودة إلى الناس واكتساب ثقتهم، والتأسيس معهم لمرحلة سياسية واجتماعية جديدة، تُشكّل المدماك الأقوى في معركة الجهوزيّة المرتجاة، قبل أن تدقّ ساعة الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

ما هي الخطوات المطلوبة؟ وكيف ومِن أين نبدأ؟ للحديث صلة في الحلقة الثانية.