حازم الأمين

أشقاء الجريمة في محور المذلة – حازم الأمين – الحرة

مرة أخرى تجمع العتمة بيروت ودمشق وبغداد، وتجمعهم أيضاً أمور كثيرة من هذا القبيل، منها الفساد والفشل والاغتيالات، لكن الأهم أن ما يجمعهم أيضاً المهمة المنوطة بكل هذه الوقائع، المتمثلة بما حددته طهران لحال الانهيار الذي يصيب الناس من دون أن يصيب أهل النظام في هذه الدول. فللانهيار وظيفة، وهو جزء من أوراق المفاوضة في جنيف وفي واشنطن.

لا حكومة في بيروت تتولى مفاوضة صندوق النقد الدولي على ضبط الحدود من دون ثمن تتقاضاه إيران، ولا ضبط لكاتم الصوت في بغداد طالما أنه يؤدي المهمة التي صارت معروفة لكل العراقيين، ولا وجه في دمشق غير وجه بشار الأسد.




والحال أن خطاب الولاء لطهران في كل من العواصم الثلاث يواصل نكران أن الجوع صار واقعاً، وأن الموت على أبواب المستشفيات صار حدثاً يومياً. ولهذه الحال وظيفة سياسية، ذاك أن الولاء لا يتم إلا عبر بوابات المذلة هذه. فكيف لطهران أن تحكم من دونها، وكيف لها أن تضمن خضوع هذه الجماعات، من غير الجوع المرفق بالخوف واحتمالات الموت.

الخبر من العواصم الثلاث يأتي متشابهاً إلى حد التطابق. مدن تتقهقر تحت وطأة انقطاع الكهرباء والفساد والقتل. للجريمة في بغداد شقيقة في بيروت، وشقيق في دمشق.

للجوع أيضاً، وللمذلة على أبواب الصيدليات ومحطات البنزين والمستشفيات، وعلى المواطن في العواصم الثلاث أن يشعر بالفخر، فهو يعيش في ظل أنظمة الانتصارات والاكتفاء والتصدي للمستعمرين الزاحفين من كل حدب وصوب طمعاً بهذا الانهيار.

وعلى رغم هذا المشهد القاتم يواصل أهل الخطاب وظيفتهم. بشار الأسد يقول إن سوريا بدأت تتعافى، وحسن نصرالله يعتبر أن انفجار المرفأ في بيروت حادث عابر وأن مؤامرة عالمية تسعى لتوظيفه، وقائد الحشد الشعبي في العراق فالح الفياض يزور طهران ويعلن أن نجاح الحشد عائد لتماهيه مع الحرس الثوري الإيراني بوصفه نموذجاً يجب تعميمه!

والحال أن كل هذا ليس نكراناً أو انفصالاً عن الواقع، إنما الخيار الوحيد المتاح أمامهم لإخضاعنا، ومن غير المهم أن يندرج ما يتوجهون إلينا به في قالب منطقي مقبول. ففالح الفياض يعرف أن الحشد نموذج لا يقنع دجاجة في العراق، وحسن نصرالله لا يهدف إلى إقناعنا بأن تحقيق القضاء بانفجار المرفأ عمل مسيس، إنما يريدنا أن نمضي بخياره من دون أن ننبس ببنت شفة، ونحن كنا مضينا معه بما يريد لولا أن الطريق الذي حدده لنا ينطوي على جوع وعلى مذلة وعلى فشل! أما بشار الأسد، فربما كان أقربهم إلى الانفصال عن الواقع ذاك أن الرجل مقتنع بأنه يملك الحق بالقتل وبتدمير سوريا على رؤوس أهلها.

لكن، ومثلما لن يستقيم حالنا في محور الفشل والمذلة، لن يستقيم حال أهل المحور لجهة مواصلتهم الموازنة بين الفشل وبين التسلط. خطاب نصرالله الأخير كشف عن استعصاء موازِ للاستعصاء الذي نكابده. فالرجل تعثر في صياغة مقولته حول شكوكه بقاضي التحقيق، ناهيك عن “الدوخة” التي أصابت المطبلين العتيدين لخطبه، فلم يعثروا فيه على ما يغردون به عادة، وترافق هذا التعثر مع قصة الصواريخ على مزارع شبعا التي كادت تحدث حرباً أهلية في لبنان، وليس في إسرائيل. أما زيارة الفياض لقائد الحرس الثوري الإيراني فتولت تزخيم الفرز في العراق لجهة أن الحشد ذراعاً للحرس الثوري الإيراني، وليس جهازاً عراقياً معنياً بمصالح البلد وبمستقبله.

لكن ماذا بعد كل هذا الهراء؟ هل يمكن أن يطول الحال بهؤلاء على رأس كل هذه الدول وعلى امتداد كل هذه الجغرافيا؟ الأرجح أن الاهتراء بدأ يمتد من متن الخطاب إلى متن السلطة التي يعبر عنها. في سوريا، وبعد أن استقر الحال للنظام عادت درعا لتنتفض عليه، وفي لبنان شهدنا في الأسابيع الفائتة وقائع توحي بأن حزب الله بدأ يفقد زمام المبادرة الميدانية في مناطق شديدة الحساسية بالنسبة إليه، وفي العراق نحن على أبواب انسحاب أميركي يعيد تذكيرنا بأن النصر على “داعش” ما كان ليتحقق من دون الأميركيين.

اهتراء السلطة في دول محور الجوع والمذلة يوازيه فراغ مخيف أيضاً، بحيث يقع المتأمل في أحوالنا على احتمالات مخيفة على ضفتي التوقعات. انتصار المحور يعني جوعاً ومذلة واستبداداً، وهزيمته تعني توحشاً على نحو ما شهدنا في دولة الخلافة الممتدة من الموصل إلى الرقة. وهنا علينا أن نستغيث بما تبقى من عقل في هذا العالم، ذاك أن الكارثة إذا ما وقعت، ونحنا لسنا على مسافة بعيدة منها، لن تعفي من أهوالها سكان الكوكب الذين سبق أن خبروا حقيقة أننا لا نُترك لمصائرنا.