فخامة الرئيس أما حان وقت الاستقالة ؟

غسان الحجار – النهار

لا يتحمّل رئيس الجمهورية ميشال عون وحده مسؤولية ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد، فهي ثمرة تراكمات بدأت منذ زمن الحرب وإلى اليوم قوامها الميليشيّويون الذين أمسكوا السلطة منذ ذلك الحين، ولا يزالون يتحكّمون بالمسارات، رغم ضغط الانتفاضة الشعبية عليهم وعلى سلطتهم، ودفع دول غربيّة عدّة في اتجاه “تصفيتهم” سياسيّاً لبناء دولة جديدة لا يمكن أن يكونوا في عدادها، إذ أنهم الفريق المُدمّر. ومن يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير. لذا بات لزاماً أن تتبدّل تلك الطبقة السياسيّة بأكملها، وإن كانت صعبةً محاكمتها، وزجّها في السجون بعد سؤالها “من أين لك هذا؟”. ولعلّ نكتة هيئة محاكمة الرؤساء والوزراء خير تعبير عن فساد تلك الطبقة المحتمية بذاتها. والكلام عن فعاليّة، أو تفعيل تلك الهيئة، ليس إلّا نكتة سمجة من سمجين يردّدون العبارات المطّاطة والمتلوّنة كل حين.




لكنّ المسؤوليّة تقع على عاتق الجميع، جميع من في الحكم، وأن بنسب متفاوتة. وإذا كانت السلطة ليست هدفاً في ذاتها، كما يدّعي هؤلاء المسؤولون، بل إنّ الهدف منها الخدمة العامّة، فإن الصدقية في هذا القول تقتضي من أحد المسؤولين (الصادقين مع أنفسهم ومع الناس) إعلان الاستقالة من الموقع الذي يشغله إذا فشل في تحقيق أي تقدّم، لا الاكتفاء بحماية، والاحتماء، بزملائه الفاشلين مثله، والعمل على تأمين حمايتهم في الانتخابات النيابيّة، لضمان استمرار منظومة الفساد التي تغذّي كل أعضائها.

الرئيس ميشال عون وعدنا بالكثير، ولا يزال أنصاره يأملون في السنة المتبقيّة من ولايته، لتحقيق بعض الوعود، ووضع الأمور على السكّة، وإن مُتأخّراً، ويراهنون على إطلاق التحقيق الجنائي، ومحاسبة الفاسدين، ووضع قانون انتخابات عصري، وما شابه. رغم أن رهاناتهم كحلم إبليس في الجنّة، لأنّ العهد انتهى منذ زمن بعيد، بعدما انقضت كل الأيّام والشهور والسنوات المتاحة له.

الرهان على الرئيس عون كان كبيراً من لبنانيّين لا يكنّون له الحقد المُزمن، وقد رأوا فيه مُنقذاً يُعيد ترتيب الأمور بالحدّ الأدنى في بلد الإصلاح فيه صعب، والتغيير مُعقّد. لكنّهم اليوم لا يُبرّرون له كل الخطوات التي قام بها، والتي لا تنسجم مع كل الوعود السابقة والمبادئ التي نادى بها. فقد غرق في الوحول اللبنانية المُتحرّكة، وصار مع تيّاره جزءاً من التركيبة القائمة على المحاصصة وتقاسم المغانم. وبهذا لم يعد ذاك الحلم الذي راود الكثيرين. صار يُشبه الآخرين الذين حاربهم واتّهمهم بالفساد الزمن.

صحيح أنّ استقالة الرئيس عون، غير الواردة في حساباته فيها انكسار للموقع المسيحي الأوّل، كما يرى كثيرون، إلّا أن الإقدام عليها بخطوة جريئة، تؤكّد أنّ رئيس البلاد أجرى مراجعة ذاتيّة، تبيّن له أن نهوض البلد في عهده لم يكن ممكناً، وإن الانهيار سيكون مُضاعفاً، وأن شعاراته بالتغيير والإصلاح قد سقطت، وتلاشت، وتؤكد أيضاً أنّ السلطة ليست الهدف في ذاتها، وأن التخلّي عنها فيه جرأة معنويّة ووطنيّة كبيرة.

ثمّة اعتراض يبرز ومفاده أنّ استقالة الرئيس وحده تعني انكساراً، لكن السُنّي الأقوى في طائفته اعتذر عن عدم تأليف حكومة جديدة، أي أن الحال مُتقاربة، والدرزي الأوّل بات يُفسح المجال أمام آخرين لم يكن يعترف بهم بعدما أدرك تراجع نفوذه. تبقى المشكلة الشيعيّة قائمة مع استبداد الثنائي الشيعي بقرار الطائفة، لكن التغيير لا بُدّ آتٍ، وإن تأخر، برضى المُمسكين بالسلطة أو من خارج إرادتهم، ويجب أن يبدأ بخطوات كبيرة تبدّل في المسارات والمعادلات القائمة.