حسام عيتاني - الشرق الأوسط

كارثة بوجهٍ محايد – حسام عيتاني – الشرق الأوسط

في أسبوع واحد قتل أربعة أشخاص في حوادث قرب محطات الوقود. ثلاثة في الشمال في تبادل لإطلاق النار تحول إلى اشتباكات مسلحة عائلية، ورابع في الجنوب اجتاحت سيارته المتوقفة في انتظار دورها في الحصول على المادة الثمينة، شاحنة مسرعة.

لم تترك هذه المقتلة الصغيرة أثراً على يوميات اللبنانيين. ذوو الضحايا دفنوا أحبتهم وانخرطوا في محاولات تحقيق عدالة بعيدة المنال، في حين تابع المواطنون تجمهرهم قرب المحطات التي شهدت الفواجع. أما الصيدليات الفارغة من الأدوية فتشهد هجمات من مواطنين يبحثون، من دون جدوى، عما يخفف آلامهم ويعالج أمراض أبنائهم. فتقتحم سيارة صيدلية لم تستطع تلبية طلب مواطنة لعقار بسيط. ويضاف الحادث إلى أشباهه من «الطرائف».




المستشفيات تُصدر تحذيرات دورية من اقتراب موعد توقفها عن العمل بسبب نقص «الديزل» (المازوت) اللازم لتشغيل مولداتها الكهربائية في ظل الغياب الدائم للطاقة التي كانت مؤسسات الدولة توفرها. ثم تنتقل التحذيرات من فقدان الأدوية والمعدات الطبية المستخدمة في العمليات الجراحية. ويترافق ذلك مع إعلان مصنع للأمصال عن توقفه عن العمل نظراً لتوقف مولدات الطاقة لديه.

المطاحن التي توفر الدقيق للأفران تُطلق النداء تلو الآخر عن حاجتها إلى الديزل، وإلا فلا خبز للبيع في بلد تزداد فيه أهمية الخبز الذي بات جزءاً رئيساً من الطعام بعد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية. أما المدارس والجامعات التي يقترب موعد بدئها عامها الدراسي فمستقبلها أشبه بالأحجية. كثير من أهالي الطلاب لا يستطيعون تأمين الأقساط. المؤسسات التربوية الرسمية تكاد لا تستوعب المزيد من التلامذة الذين يتركون المدارس والجامعات الخاصة. رواتب الأساتذة أصبحت تُقدر ببضعة دولارات بعدما انهارت الليرة اللبنانية التي كانوا يتلقون مستحقاتهم بها.

ازدحام خانق لشراء سلع مفقودة. الشوارع تزداد قذارة وسط توقع باندلاع أزمة نفايات كبيرة في غضون شهور قليلة. إشارات السير توقفت منذ أكثر من سنة عن العمل ليتولى السائقون تدبير أمورهم من خلال «الشطارة» وإظهار قدر من العدائية وممارسة التنمر. مصطلحات جديدة تبشر بمستويات مرتفعة من قسوة العيش وشظفه في لبنان: «الارتطام الكبير». «العتمة الشاملة». «الفوضى العارمة».

هذا وصف موجز ويخلو من الإشارة إلى ما يرافقه من معاناة بشرية ومآس تقابلها مساع لاستغلال البؤس واستخراج ثروات من فقر الآخرين، على غرار ما يفعل الناس ببعضهم في أزمنة القحط والجوع وفي الأوقات التي تصبح فيها الجريمة هي ما يُنظم العلاقة بين الأقوياء والضعفاء.

عليه، قد يتوقع المرء أن يسمع أصوات العويل والنحيب من المتسولين، القدماء والجدد، في شوارع المدن والقرى، وأن يرى طوابير المتضررين من انهيار أنظمة التعليم والصحة والمصارف. وباستثناء بعض حالات قطع الطرق في عدد من القرى احتجاجاً على غياب التيار الكهربائي وتحركات أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت قبل عام الذين يواجهون الطبقة السياسية وألاعيبها، نادراً ما يزيد نبض الاحتجاج عن هزة رأس تعبر عن الاستياء أو رفع للأكتاف علامة على اليأس قبل الانصراف إلى مشاغل العاجزين والبحث عن طريقة لإنهاء نهار آخر من حياة لا تشبه الحياة.

لا مفر من الاعتراف بمهارة ائتلاف الأشرار الحاكم، في تشتيت كل جهد بُذل على مدى عامين، لتوحيد صفوف المتضررين وتشكيل بديل مدني وسياسي قادر على فرض نفسه كممثل لمئات الآلاف من اللبنانيين الذين أعلنوا رفضهم لتحالف الفساد والطائفية والسلاح غير الشرعي. لقد رسم السياسيون وأتباعهم، وجهاً محايداً على الكارثة التي أنزلوها بمواطنيهم.

وها هم رؤساء المجالس والكتل النيابية والأحزاب ناهيك عن الوزراء والنواب يشتكون من الفساد والعتمة والافتقار إلى الدواء. بل بلغت الصفاقة ببعضهم حد دعوة الناس إلى البحث عمن تسبب في المأساة الحالية. ومع كل اضطراب، يظهر «مرشد» منفصل عن الواقع ليُوزع تهديدات وكلام لا معنى له.

هي إذن كارثة بوجه محايد. لا أهل لها. تسببت فيها ظروف طبيعية غامضة ويعمل السياسيون ومناصروهم على الخروج منها تماماً مثلما يعمل أهالي الطلاب العالقين في الخارج بعدما منعت المصارف تحويل أقساطهم ومصاريفهم. هذا هو اتساع المهزلة التي ما زالت تلتهم في كل يوم ضحايا جدداً وتدمر آمال أجيال صار الفرار من لبنان مشروعها الوحيد.

أما الأحلام التي زرعتها انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فكان يكفي أن يدفع السياسيون المتحالفون عشرات قليلة من متعاطي حبوب الكبتاغون والرعاع الممتطين دراجات نارية مهلهلة ليُثبتوا لملايين اللبنانيين في الساحات، استحالة تحقيق الأحلام تلك من دون ثمن لا يخلو من دم وعنف.

وجوه محايدة لأناس يسيرون في الشوارع يهيمون من محطة وقود مزدحمة إلى صيدلية مقفرة. كارثة لا مسؤولين عنها. هو كل ما نجم عن سياسات فاشلة امتدت عقوداً في بلاد ينتظر أهلها ما لا يجرؤون على قوله.