ميقاتي لن يستمر طالع نازل

وليد شقير | نداء الوطن

ثلاثة عوامل ما زالت غير متوفرة بوضوح هي التي يمكن أن تساعد على تقريب موعد تشكيل الحكومة الجديدة:




– أن يكون هناك استيعاب للحاجة الماسة إلى الإجراءات المطلوبة والملحة لإخراج البلد من الوضع الحالي الذي يؤدي استمراره إلى الارتطام الكبير. وهذا يتطلب الاقتناع بوجوب ملاقاة المجتمع الدولي في اشتراطه تأليف الحكومة كي يقدم المساعدات، لاهتمامه بمنع الانهيار الكامل. ومطلبه أن يكون هناك شريك رسمي يتحاور معه. وهذا يعني أيضاً إخراج التأليف من رغبات تعديل اتفاق الطائف بالممارسة الذي يطمح إليه الفريق الرئاسي، بهدف تكريس غلبة الرئاسة في قرارات الدولة والسلطة التنفيذية، وحسم الأمر باتجاه تطبيقه بدلاً من السعي إلى تغييره.

– إخراج التأليف من حسابات الانتخابات النيابية المقبلة، سواء في توزيع الحقائب أو في اختيار الوزراء، والإقلاع عن اعتبار الوزارات وسيلة لتحسين الوضع الانتخابي لهذا الفريق أو ذاك عن طريق الإصرار على هذه الحقيبة الخدماتية أو تلك.

– ان التسريع في إنجاز الحكومة يتطلب استعداداً لدى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للانخراط أكثر في التداول مع الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في اقتراحات التوزيع للحقائب وإسقاط الأسماء، ويحتاج حضوراً موازياً للجهد الذي يبذله الثاني من أجل تسريع التأليف، بدلاً من طلب المزيد من الوقت لدراسة هذا الاقتراح أو ذاك.

إذا لم تتأمن هذه العوامل يصعب تصور استمرار ميقاتي “طالع نازل” إلى ومن القصر الرئاسي، من دون إحداث تقدم في التأليف، على رغم إضفائه جواً من الإيجابية والتقدّم على اللقاءات التي عقدها بعد مناقشاته مع الرئيس عون. ولعل هذا كان وراء تريثه في عقد اللقاء السابع معه. يتعذّر على ميقاتي، بعدما خبِر ما حصل مع سلفه الرئيس سعد الحريري، أن يكثّف زياراته إلى بعبدا من دون أن يكون التقدّم جوهرياً من جهة، ولأن الأمر يتعلق بهيبة رئاسة الحكومة من جهة ثانية. فالخشية من “هركلة” رئاسة الحكومة هي صدىً لما يعتمل في الوسط السياسي، الإسلامي والمسيحي على السواء، من طريقة التعاطي مع التأليف، والإصرار على السيطرة على التركيبة الحكومية. فالرئيس المكلف لم يحصل على الأجوبة المؤجلة التي عليها يفترض بناء المزيد من التقدّم. حتى الوزارات التي جرى حسم مرجعية تسميتها للرئيس عون لم يقترح الأخير أي إسم لها لأنه يترك الأمر إلى ما بعد الانتهاء من الاتفاق الكامل على توزيع الحقائب. وما زال يطرح الأسئلة حول سبب عدم اعتماد المداورة، لرغبته في حصول فريقه على الداخلية، والشؤون الاجتماعية وغيرها.

في التفاصيل المتعلقة بالتأليف، ومع إقرار ميقاتي حسب معطيات المتابعين للعقد الجوهرية التي تعترض تسريع العملية، أنه ما من حقيبة مُطوّبة لأي طائفة، لكن كما قال علناً وفي الاجتماعات المغلقة، ليس لديه والرئيس عون ترف الوقت للدخول في سجالات حول كيفية توزيع الحقائب وفي صراع سياسي على المواقع في حال اعتماد المداورة، لحكومة ستبقى زهاء 8 أشهر، “فلماذا فتح وكر الدبابير في وقت المطلوب تسريع البحث لإنجاز الحكومة”؟

تقرّ الأوساط التي تواكب حركة ميقاتي ومشاوراته بأن أي تشكيلة حكومية لن ترضي الجميع في هذا الظرف المعقّد، لكن مع إقباله على التسوية التي يعتبرها عملاً “فدائياً” نظراً إلى ما ينتظر الحكومة من قرارات صعبة، تستدرج ردود فعل شعبية غاضبة، فإن هذه التسوية تكون بالحدّ المقبول، وليس تسليماً لفريق بكل ما يطلبه. فهل يعقل الإتيان بوزير داخلية مسيحي سيسمّيه حكماً فريق الرئيس و”التيار الوطني الحر” على أبواب الانتخابات، في وقت تلعب هذه الحقيبة دوراً رئيسياً في التمهيد لعمليات الاقتراع، ويمكن أن يتعرّض من يتولاها للضغوط في علاقة دوائرها مع البلديات والمخاتير وفي الخدمات، وتنظيم لوائح الشطب ومن ثم تنظيم عمليات الاقتراع… وهذا كله في ظل تنافس، بل تناحر مسيحي مسيحي؟ فرئيس “التيار الحر” النائب جبران باسيل نفسه سبق أن أبلغ ميقاتي في تبريره لرفضه تسميته والمشاركة في الحكومة وعدم التدخل في تشكيلها وعدم منحها الثقة، بأنه للاحتفاظ بحرية خوضه الانتخابات النيابية بالمنافسة مع حزب “القوات اللبنانية” الذي أخرج نفسه من دائرة المسؤولية عن الأداء الحكومي. أي أن باسيل يتخوّف من انعكاس اشتراكه في الحكومة وقراراتها الصعبة سلباً على حملة تياره الانتخابية. يُبقي الرئيس المكلف على الآمال بإحداث خرق في الجمود لعلّ تطوراً ما في المواقف، لسبب داخلي أو خارجي، يؤدّي إلى تسهيل الأمور، لكنّه ليس مُستقتلاً على البقاء طويلاً ينتظر الفرج.