عن شعارات التعفف الوزاري! – رامي الرّيس – نداء الوطن

المأزق اللبناني بات عميقاً ليس فقط بسبب التساقط التدريجي لمقومات الصمود المطلوبة للنهوض مجدداً، بل أيضاً بسبب العقول المريضة التي تتحكم بمسار الأمور ولا تكترث نهائيّاً لما يجري على الارض من إنهيارات وإنكسارات يوميّة يعيشها المواطن اللبناني.

ثمّة مسؤوليّة تتحمّلها مختلف القوى السياسيّة من دون شك، ولكن المسؤوليّات تتفاوت بين من ينتهج التعطيل سبيلاً لتحقيق أهدافه الفئويّة الخاصة، وبين من يسعى للحد من الأضرار ولو كان من رصيده السياسي والشعبي.




مثال التأليف الحكومي هو الأبرز. الرأي العام يحمّل كل الطبقة السياسيّة مجتمعة مسؤوليّة الفشل في التأليف، وربما بعض المجتمع الدولي يشارك في الإتجاه. إلا أن التدقيق في الأمور يعطي نتائج مغايرة لهذا الاستنتاج.

ثمّة كتل نيابيّة أعلنت عدم رغبتها المشاركة في الحكومة وإبتعدت عن مفاوضات التأليف، ولم تسمّ رئيساً للحكومة. وثمّة أطراف أخرى قدّمت كل التسهيلات اللازمة وتحرّكت في إتجاه إنتاج تسوية سياسيّة تشكل مدخلاً لإخراج البلاد من أزماته المتفاقمة. وثمّة مرجعيّات أخرى قدّمت مبادرات سياسيّة تتماهى مع المبادرة الفرنسيّة وتوفر المخارج التي يمكن من خلالها النفاذ نحو تشكيل حكومة جديدة تحظى بالثقة وتباشر بالخطوات الإنقاذيّة المطلوبة.

في المقابل، ثمّة كتل نيابيّة دأبت على إصدار البيانات الإعلاميّة بصورة دوريّة عكست فيها سياساتها القائمة على الازدواجيّة: الكلام المعلن مناقض تماماً للكلام في الغرف المغلقة التي تشهد مفاوضات التأليف. الموقف الإعلامي يتمثّل في الدعم الكلامي والتعفف الوزاري وتوفير كل التسهيلات المطلوبة لتأليف الحكومة. الموقف الحقيقي يتمثّل في إستيلاد الشروط التعجيزيّة التي ترمي فقط للابتعاد عن التأليف.

إن الإصرار على مطالب وزاريّة معيّنة من قبل جهات سياسيّة معروفة يتعدّى المطالبة الوقحة بالحصص والوزارات في بلد يلفظ أنفاسه، ويلامس حدود إطلاق شعارات لا تُطلق إلا في المعارك الوهميّة التي يعتبر مطلقوها أنها سوف تؤدّي إلى إنتصاراتٍ وهميّة. أي إنتصاراتٍ يمكن تسجيلها في بلد الانهيارات غير المسبوقة؟ أي إنتصاراتٍ يمكن إحتسابها في مجتمع يعاني القهر والذل ولا يرى في الأفق المستقبلي سوى الهجرة سبيلاً للخلاص؟

ما نفع “الإنتصار” في الصلاحيّات (وهو بالمناسبة ليس إنتصاراً بل تسجيل لأعرافٍ جديدة) عندما يصل التقهقر إلى كل أطراف المجتمع وشرائحه وعندما تتجاوز نسب الفقر عند الشعب اللبناني الخمسين في المئة؟ ما نفع تعديل المواثيق والدستور والقوانين بـ “الممارسة” إذا كانت الممارسة نفسها مناقضة للمواثيق والدستور والقوانين؟ ما معنى أن تتحكم جهة واحدة بمصير البلاد والعباد دون أن تكترث للنتائج الكارثيّة لسياساتها الملتوية على الوضع برمته؟

لذلك، لا تتحمّل كل الأطراف السياسيّة المسؤوليّة. ثمّة طرف واحد مدعوم من طرف آخر يقبضان على مفاصل السلطة ويعطلان عمليّة التأليف. هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع. وإذا كان بعض مكونات الثورة والمجتمع المدني لم يعد يملك سوى تكرار الاسطوانات السياسيّة ذاتها والشعارات ذاتها لعدم قدرته على إنتاج برامج سياسيّة بديلة، فهذا لا يعني أن هذا التشخيص هو التشخيص الدقيق والصحيح.

ليست هذه المقالة بمثابة مطالعة للدفاع عن أحد، ولكنها محاولة لتصويب النقاش السياسي والاعلامي، ولتحديد المسؤوليّات بدقة وشجاعة، وللابتعاد عن التكرار الببغائي لعناوين واهية لا تعكس حقيقة الأمر. إذهبوا إلى المعطلين مباشرة. عناوينهم معروفة ومواقفهم معروفة. سياساتهم معروفة ونتائج سياساتهم معروفة أيضاً.

إن حجم المعركة بين من يحترم الدستور ومن يخالفه بحد ذاته كبير وكبير جداً، وموازين القوى فيه مختل للعديد من الأسباب المحليّة والخارجيّة. لا فائدة من تعميم حالات العداء والخصومة في الوقت الذي يمكن فيه إحداث التغيير المطلوب بعد بناء مقارباتٍ جديدة.