صوت الراعي يتردَّد في طهران بعد الضاحية

أحمد عياش – النهار

لم يقتصر تأثير الموقف الذي أطلقه البطريرك الماروني الكاردينال مار #بشارة بطرس الراعي بعد اطلاق الصواريخ في الجنوب نهاية الأسبوع الماضي على “#حزب الله” وحلفائه، بل وصل الى الجمهورية الإسلامية. لن يكون صعبا تفسير ردود الفعل التي ظهرت في وسائل إعلام إيرانية رسمية على موقف البطريرك، عندما يتم وضع هذه الردود في سياق مرحلة بالغة الدقة يمر بها النفوذ الإيراني في المنطقة.




ليست هي المرة الأولى التي يثير فيها المرجع الروحي الماروني ردود فعل من الحزب وامتداداته داخليا وإقليميا. وهناك واقعة لم يجفّ حبرها بعد تتعلق بما طرحه البطريرك بشأن حياد لبنان. لكن خبراء في الملف الإيراني يقولون لـ”النهار” ان انتقاد مرجع ديني لبناني بارز خطوة الحزب في إطلاق الصواريخ ودعوته الجيش اللبناني الى منع تكرار الامر تنفيذاً للقرار الدولي الرقم 1701، يمثل ذروة غير مسبوقة في التعامل اللبناني مع العمل المسلح للأداة الأبرز في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، أي “حزب الله”، علماً ان الأخير حرص على ممارسة القصف بطريقة مدروسة كي لا تخرج الأمور عن السيطرة تنفيذاً لقرار إيراني بعدم الذهاب الى تصعيد واسع في المنطقة. ولفت هؤلاء الخبراء الى ان راجمة الصواريخ التي ظهرت في تسجيلات مصوّرة بعد اعتراض أهالٍ في بلدة شويا على وجودها في ساحة بلدتهم، تنتمي الى جيل قديم من الأسلحة تعود الى عقود خلت وظهر مثيل لها ابان الحرب اللبنانية في سبعينات القرن الماضي، علماً ان الحزب بلسان امينه العام صرّح مراراً حول امتلاك الحزب ترسانة من الصواريخ الدقيقة التي أثارت، ولا تزال، قلق إسرائيل. وقد كان بوسع الحزب ان يخرج من مخازنه مثل هذه الصواريخ ليصيب بها بدقة الأهداف الإسرائيلية التي يريدها. لكنه لو فعل ذلك لأخذ الاحداث الى دائرة تصعيد متقدم، في حين انه حاليا ليس في وارد الذهاب الى مثل هذا التصعيد.

في المقابل، لم يأتِ موقف البطريرك الراعي من اطلاق الصواريخ من منطلق تحليل الموقف عسكريا بقدر ما هو آتٍ من منطلق وطني بحت توّج اعتراضا شعبيا في شويا هو الأول من نوعه لبنانيا منذ عقود. وجاء هذا الموقف ليمثل احتضانا لهذا الاعتراض وليعطيه بُعدا وطنيا خارج النطاق المذهبي. وما كاد “حزب الله” ينتهي من احتواء ما جرى في شويا، وبالطريقة التي تعامل بها الأمين العام السيد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة، حتى جاء موقف سيد بكركي ليخلط الأوراق فيعطي الاعتراض الشعبي مدى غيّر مجرى الاحداث. فهو على المستوى الداخلي وضع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في وضع لا يحسد عليه بعدما سلَّم طويلا للحزب بحرية العمل المسلح. كذلك وضع قيادة الجيش امام مسؤولياتها المنوطة بها بموجب القرار 1701. وفي ذلك، يمثل خطوة متقدمة في رفع الغطاء الداخلي عن العمل المسلح للحزب المتفلت من كل الضوابط اللبنانية والدولية.

في سياق متصل، علمت “النهار” من أوساط شيعية، ان كثيرين من المغتربين الذين جاؤوا لتمضية فصل الصيف في بلدات الجنوب وقراه، سارعوا الى تغيير مواعيد سفرهم عائدين الى مغترباتهم خشية انزلاق لبنان الى الحرب كما حصل عام 2006.

ماذا عن أصداء ما جرى في لبنان في إيران؟ جاءت التطورات اللبنانية التي لم تهبّ رياحها كما تشتهي سفن الجمهورية الإسلامية في وقت كانت طهران تعيد ترتيب أوراق نفوذها في المنطقة بعد تسلّم رئيسها الجديد ابرهيم رئيسي مسؤولياته. وهذا ما عبّرت عنه وسائل الاعلام الرسمية هناك في إبراز نفوذ إيران في حرب غزة الأخيرة. فقد اکد قائد الحرس الثوري اللواء حسین سلامي لدی استقباله الامین العام لـ”حرکة الجهاد الاسلامي” زیاد النخالة ورئیس المکتب السیاسي لـ”حرکة المقاومة الاسلامیة” (حماس) اسماعیل هنیة، “ان زوال وانهیار الکیان الصهیوني أمر حتمي”.

صحيفة “كيهان” التي تعبّر عن مواقف المحافظين أفردت مساحات للرد على المواقف الأخيرة للبطريرك. فهي قالت: “هناك من يسعى لتسعير تجربة قرية شويا في جنوب لبنان ونقلها الى قرى أخرى فيها طوائف جديدة، أما المهم بالنسبة لأصحاب عمليات النقل فهو التقاطعات بين طوائف جديدة تشكل عند تجمّعها تحالفاً طوائفياً لبنانياً مرتبطاً بجهات خارجية ولديه هدفان: السيطرة على السلطة في لبنان وإلغاء مشروع مقاومة العدو الإسرائيلي”.

وأضافت: “الكاردينال الماروني الراعي هو صاحب هاتين النقطتين او الداعم الأساسي لهما، متوصلاً الى انّ لبنان يعترف بـ”إسرائيل” منذ اتفاق الهدنة في العام 1949، لافتاً إلى انّ اشتباكات كثيرة حدثت بين قوات من حزب الله وأبناء الكثير من القرى الجنوبية”.

وتابعت الصحيفة: “لا احد هنا يشكك بوطنية الكاردينال الراعي، لكن الكثيرين يربطون بينها وبين إصرار الراعي على الإمساك بسلطة لبنانية تشبه نموذج 1920، وهذا يتطلب تقليص حزب الله لجهة الدور العسكري والسياسي والقوة الاقتصادية التي يتمتع بها نتيجة الدعم الإيراني… محاولة الراعي الجديدة ليست إلا محاولة لإعادة إنتاج لبنان القديم”.

وخلصت الى القول: “هذا ما يفرز حقيقة وهي انّ كامل الطوائف اللبنانية مصابة بقلق سياسي داخلي من قوّة حزب الله الإقليمية واللبنانية الداخلية السياسية، وتعرف انّ العودة الى سلطة 1920 يجب ان تمرّ بتقليص أدوار حزب الله الاقليمية واللبنانية، مع تحالف مع القوى الغربية الراعية الاساسية للبنان القديم.الى أين يذهب لبنان؟ حزب الله المقاوم هو الوحيد القادر على الاستمرار في التصدي للعدو “الإسرائيلي” مع الاحتفاظ بعلاقات حسنة بين الطوائف، ولن يتخلى عن هذه الطريقة التي تحمي لبنان”.

قال البطريرك ما قاله وردّ “حزب الله” وامتداداته بما ردّوا. من المؤكد ان لبنان دخل منعطفا جديدا.