ارفعوا أيديكم عن الاحتياط – غسان العياش – النهار

إذا تعذّر على الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة وآثر الاعتذار، فلا يجوز التعامل مع الحدث وكأنه تطوّر عادي في الحياة السياسية. بل لا بدّ من الاعتراف بأن البلاد تواجه أزمة وطنيّة كبيرة وعجزاً عن تطبيق الدستور.

هذا في الجانب السياسي، أما في الجانب الاقتصادي فإن مزيدا من التأخّر في اتّخاذ القرارات الملحّة بعد سنتين من التسويف والعبث والإهمال هو الطريق الأكيد نحو الانفجار الاجتماعي الكبير. إذا كان الإنقاذ الشامل من الكارثة أمراً بعيد المنال، وطريقه طويلة ومتعرّجة، فلا شيء يبرّر تقاعس الدولة عن القيام بمسؤولياتها حيال المسائل ذات الأولوية، وأبرزها: إعادة هيكلة النظام المالي من خلال معالجة خسائره الجسيمة، ومراجعة نظام الدعم القائم باتجاه تخفيف الأعباء المعيشية الخانقة، من دون التفريط بما تبقّى من احتياطات بالعملات الأجنبية.




الرئيس نجيب ميقاتي مؤهّل لصوغ وإدارة خطّة تحدّ من التدهور الاقتصادي والاجتماعي المتسارع، تمهيدا لمرحلة مقبلة توضع خلالها حلول بعيدة المدى. فهو آت إلى السياسة من تجارب ناجحة في عالم الأعمال، ومحاط بمقرّبين ومستشارين أكفّاء في فريق عمله وكتلته النيابية.

التقارير الدولية التي تتابع الوضع اللبناني قارنت الكارثة اللبنانية بمثيلاتها في دول أخرى من العالم، وقدّرت أن لبنان يحتاج إلى عقد أو عقدين لكي يعود إلى وضعه الاقتصادي السابق، هذا إذا تبنّت دولته السياسات الصحيحة المدعومة من الداخل والخارج. وقد علّمتنا التجارب أن الدعم الخارجي ممكن إذا أعاد لبنان تموضعه والتزم الحياد في شبكة الصراعات المتفجّرة في المنطقة، لكن الدعم الداخلي للسياسات الاقتصادية أمرٌ بالغ الصعوبة.

جدول أعمال حافل سيواجه الدولة عند تشكيل الحكومة الجديدة، بدءا من فقدان الدواء والمحروقات ومنع انهيار النظام الصحّي، إلى آخر المشاكل التي يئنّ منها المجتمع على مدار الساعة. لكن الأولوية تبقى للمسائل الأساسية التي تقاعست “الدولة المستقيلة” عن مواجهتها من دون مبرّر.

لقد تأخّر كثيرا تحديد الخيارات في ما خصّ خسائر النظام المصرفي والمالي، ولا يمكن تفسير هذا التأخير المدمّر إلا بكون الدولة مصابة بالشلل الكامل. إعادة هيكلة هذا النظام بطريقة منطقية وعادلة ليس خدمة للمصارف ومالكيها، بل هو بالدرجة الأولى لمصلحة المودعين. وتعطيل النظام المصرفي بالشكل القائم اليوم لا يلحق الضرر بأصحاب المصارف والمساهمين فيها فحسب، بل يلحق أكبر الأضرار بالبلاد وباقتصادها، لأن شلّ النظام المصرفي يعطّل الاقتصاد اللبناني برمّته ويقطع عنه مصادر التمويل، ويعزل لبنان عن النظام المالي العالمي ويمنع استيراد السلع الضرورية لحياة اللبنانيين.

من جهة أخرى، المطلوب حكومة مسؤولة تتّخذ قرارات عادلة وشجاعة، فتقطع اليد التي تهدر الاحتياطات بالعملات الأجنبية لكي تموّل نظاما ظالما للدعم يساوي بين الأغنياء والفقراء.

ارفعوا أيديكم عن احتياطات النقد الأجنبي التي باتت بالكاد تعادل #الاحتياط الإلزامي. فهذه الأموال هي القليل الذي تبقّى من حقوق المودعين، الذين نكبتهم سياسات متوحّشة قضمت رؤوس الأموال الخاصّة وذوّبت مدّخرات اللبنانيين.

موجودات #مصرف لبنان بالعملات تتهاوى على نحو متسارع، وإذا لم تُتخذ القرارات الحاسمة على مستوى الدولة والمصرف المركزي لوقف هذا النزف “تحت مسمّى الدعم”، سيأتي يوم قريب لا يملك فيه لبنان دولارا واحدا في الخارج.

هبط رصيد الموجودات النقدية لمصرف لبنان من 35 مليار دولار في الشهر الأوّل من سنة 2018 إلى 15.7 مليارا في أيار الماضي، أي بتراجع يقارب 20 مليار دولار، أو 55 بالمئة خلال تلك الفترة. لكن التراجع لم يكن هو نفسه في كل الأوقات، فقد تراجعت موجودات “المركزي” بالعملات بنحو 10 مليارات دولار سنة 2020 وحدها.

تشكيل الحكومة هو خطوة أولى ضرورية للبدء بتخفيف سرعة الانهيار، تمهيدا للحلول الجذرية ربّما على يد حكومة مقبلة بعد الانتخابات. إن الاستمرار في لعبة التشدّد لدفع الرئيس المكلف نحو اليأس ثم الاعتذار بات تلاعبا بمصير الوطن، فيما الوطن على شفير الهاوية.