العهد ينحر نفسه بعد نحر البلد

سابين عويس – النهار

شهدت البلاد في الأيام القليلة الماضية مجموعة من التطورات الخطيرة أمنياً وعسكرياً وسياسياً وقضائياً من شأنها أن ترسم مساراً جديداً في التحولات المقبلة على المشهد الداخلي، فيما بقيت الثابتة الوحيدة وسط هذه المتغيرات ذات الدلالات المقلقة، العقد الماثلة أمام مسار تأليف الحكومة الجديدة. إذ لم يسلم الرئيس المكلف #نجيب ميقاتي من مواجهة العقد التي واجهت سلفه، رغم الأجواء التفاؤلية التي سعى إلى إشاعتها يوم تكليفه، متّكئاً على كلام جميل سمعه من رئيس الجمهورية وصدّقه.




لم يعد خافياً على أيّ مراقب أنّ تعطيل التأليف ليس بسبب العقد الظاهرة وإنّما بسبب عدم وجود قرار لدى الفريق الحاكم بقيام سلطة تنفيذية فاعلة تقلص نفوذ هذا الفريق بما ومن يمثل. يستطيب العهد هذا الخيار الذي يوافق حساباته السياسية من دون الأخذ في الاعتبار واقع أنه بهذا التوجه ينحر الولاية الرئاسية بما سبق وانقضى منها وما تبقى لها، مع ما يعنيه ذلك من نحر موازٍ للبلد ومقومات صموده ومناعته، في ظلّ الاستمرار بالتشبث بمفهوم الرئيس القوي.
لكن الرئيس القوي بتحالفاته وليس بطائفته لم يأت خيراً على الطائفة بل زادها شرخاً وتشرذماً وانشقاقاً بعدما أضحى شعار الرئاسة القوية نموذجاً يرغب المسيحيون الأقوياء في أحزابهم وطائفتهم تكريسه للوصول إلى بعبدا وإسقاط نموذج الرئيس الذي يفتقد الحيثية السياسية أو الشعبية.

وهذا كان يمكن تفاديه لو حافظ العهد على التزامات تياره السياسي بمندرجات تفاهم معراب، فأبقى حزب “القوات اللبنانية” سنداً قوياً له في الساحة المسيحية، تماماً كما حافظ على التزامه الكامل مع “حزب الله” من خلال تفاهم مار مخايل الذي كرس الرئاسة لعون، مقابل إضفاء الشرعية المسيحية التي كان بأمسّ الحاجة إليها الحزب في ذروة لحظات ضعفه بعد عدوان تموز والقرار 1701.

ثمن التمسّك بتفاهم معراب كان ثقيلاً وصولاً إلى حدّ الاستحالة بالنسبة إلى عون بسبب طموحات باسيل الرئاسية الذي رأى في تحقق وصول عمه إلى بعبدا وتماسك تحالفه مع الحزب حظوظاً سانحة كبيرة أمامه للوصول هو أيضاً، غافلاً عن عاملين أساسيين عبّدا طريق الأول إلى الرئاسة وهو مباركة الشريك المسيحي الآخر، كما الشريك السنّي الأول، وهذان العاملان لم يعودا متوافرين في أي شكل اليوم لإيصال باسيل إلى بعبدا الذي لم يبقَ لديه إلّا أكتاف الحزب لتحقيق غايته، بعدما توسّع الشرخ بين الكتلتين المسيحيتين الأكبر إلى حدّ اللا عودة، مع بدء كل كتلة تحضيراتها لخوض الانتخابات النيابية، سعياً وراء حصد أكبر عدد ممكن من النواب تمهيداً لخوض الاستحقاق الرئاسي، ودائماً ضمن السقف الذي وضعه عون للرئيس الأقوى ضمن طائفته!

أدّى تقاسم المواقع المسيحية المختلفة في الإدارة والقضاء والأمن والعسكر على “التيار الوطني الحرّ” حصراً، مقابل استهداف المواقع الأخرى المناوئة لإسقاطها مثل حاكم المصرف المركزي أو قائد الجيش، وهما للمفارقة، موقعان يشكلان معبراً لشاغليهما إلى بعبدا، إلى ضرب الصف المسيحي المشرذم أصلاً بفعل الشهية السياسية المفتوحة دائماً على المناصب والحصص.

ولم يقف الانشقاق المسيحي الذي أدّى إلى اصطفاف لافت ضدّ العهد عند القوى السياسية، بل تجاوزه ليطال بكركي التي أخذت بدورها مسافة كافية عن بعبدا، محملة سيدها مسؤولية تعطيل تشكيل حكومة جديدة.

هل فات الأوان على الرئاسة لاستعادة زمام المبادرة في الشكل المنتج بما يؤدي إلى كسر الحلقة المفرغة التي أقحمت بعبدا نفسها فيها تحت شعار الحق في التمثيل المسيحي وحماية حقوق المسيحيين من الاستئثار السنّي، كما تدّعي؟

مصادر سياسية مواكبة تؤكّد أنّ الكرة تبقى دائماً وأخيراً في مرمى بعبدا طالما يمسك الرئيس بحقّ وصلاحية التوقيع الأخير. وهذا يعطيه القدرة على تحسين شروط التفاوض مع الرئيس المكلف الذي يملك حق الاختيار، وليس الإملاء كما هو حاصل اليوم، خصوصاً بعدما بات واضحاً أنّ عون وباسيل يمسكان بورقة التأليف، بعدما أخرجا الحريري بالاعتذار وأسقطا باعتذاره مبادرة رئيس المجلس نبيه بري. وليس بعيداً مصير الرئيس المكلف نجيب ميقاتي عن مصير الحريري، وربما مصير كل شخصية سنية لا تنفذ شروط العهد بالتأليف.

والسؤال، هل الثمن مقابل تعطيل تشكيل حكومة برئيس قوي لها يحظى بمباركة طائفته، من أجل تثبيت معادلة قوة العهد لضمان وراثته، يستحق المجازفة بما تبقى من رصيد مستنزف؟ هل يمكن ربط الجواب بما كان كشفه نائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي قبل فترة عن قبول الرئيس باقتراح التنحي مقابل ترئيس باسيل؟ علماً أنّ هذا الاقتراح طُرح في التداول وسُرّب إلى الإعلام منذ أشهر وفي كل مرة تتم إثارته، يعاد إلى الرف بسبب رفض الوسط المسيحي المساس بولاية الرئيس حتى لو كان الثمن دفع البلد إلى الانهيار التام؟