الدور الإيراني في معارك درعا

تحول الجنوب السوري إلى برميل بارود ينذر بالتفجر منذ عودة قوات النظام وسيطرتها على محافظتي درعا والقنيطرة. التوتر جاء نتيجة التخوف من خرق أي طرف من أطراف الصراع لقواعد الاشتباك، ولطالما وصف الاتفاق الأمني الذي عادت قوات النظام بموجبه للجنوب السوري في كانون الأول/ديسمبر 2018 بأنه «اتفاق هش» إذ كانت السيطرة الفعلية على الأرض غير واضحة المعالم وتتوزع على جهات متصارعة ومتنافسة مختلفة بينها فصائل معارضة تخلت عن سلاحها الثقيل والمتوسط واحتفظت بسلاحها الخفيف، بالإضافة إلى ميليشيات انضوت تحت سيطرة الجيش الحكومي أو الشرطة العسكرية الروسية، وكذلك بعض الميليشيات الحليفة والتابعة للحرس الثوري الإيراني.
ويشير أرميناك توكماجيان الباحث في مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط في تقريره عن عودة سيطرة قوات النظام قبل ثلاث سنوات على مدن الجنوب السوري بقوله؛ «خشية الأردن وإسرائيل من أن عودة سيطرة النظام على محافظتي الجنوب ستسهل تموضع القوات الإيرانية والقوات الحليفة لها قرب الأراضي التي تسيطران عليها. ولمنع إسرائيل والأردن ولاعبين آخرين من عرقلة عودة النظام، عمدت روسيا إلى وضع استراتيجية استبعدت فيها مشاركة إيران في الدخول للجنوب السوري وسهّلت ولادة مسارات الحوار النسبي، والقوة الناعمة، والتسويات مع المعارضة».
وتم اقرار «التسويات» بين النظام والفصائل المسلحة وإعلان انتهاء العمليات العسكرية في الجنوب السوري في آب/أغسطس 2018 واستعادت قوات النظام السيطرة على مدن محافظات درعا والقنيطرة نهاية ذلك العام بعد تنفيذ عملية إخلاء ضخم لمقاتلي الفصائل المسلحة الرافضين للتسوية مع النظام، إذ غادر مدن الجنوب حوالي 10 آلاف مقاتل مع عائلاتهم إلى محافظة إدلب.
بالرغم من كل ما قيل عن الاتفاق الذي تم بين فصائل المعارضة وقوات النظام برعاية روسية، إلا إن الواقع على الأرض بقي طوال السنوات الثلاث الماضية هشا ومحفوفا بالكثير من الاختراقات الأمنية والصراعات والاغتيالات ومحاولات جميع الأطراف فرض واقع مغاير على الأرض يخدم أجنداتها المتصارعة.
لذلك توزع النفوذ بين فصائل المعارضة التي احتفظت بهيكليتها وسلاحها الخفيف، وبقيت محافظة درعا تشهد طوال الفترة السابقة عمليات ينفذها مقاتلو هذه الفصائل الذين كانوا يشنون هجمات على قوات النظام والفصائل المتحالفة معها، وأبرز مناطق تواجد هذه الفصائل هي درعا البلد، بالإضافة إلى مناطق في غرب المحافظة وخاصة: طفس ومزيريب وتل شهاب ونوى وحوض اليرموك. بالإضافة إلى الميليشيا التي يقودها أحمد العودة المعروفة باسم «قوات شباب السنّة» في بصرى الشام، إحدى بلدات محافظة درعا. إذ أن هذا الفصيل هو أول فصيل وافق على الشروط الروسية للمصالحة في تموز/يوليو 2018 وقد تحول أحمد العودة إلى قائد اللواء الثامن التابع للفيلق السوري الخامس الخاضع للنفوذ الروسي، وبدأ بلعب دور مركزي في توازن القوى في الجنوب السوري.
وقد أوجدت تسويات الهدنة بؤراً خارجة عن سيطرة النظام، لكنها في الوقت نفسه مَحمية بضمانات روسية ورقابة إسرائيلية، وقد سعى النظام وإيران إلى الالتفاف على هذه الأوضاع عبر استقطاب آلاف العناصر من الفصائل المسلحة، أو من يُطلق عليهم «عناصر التسويات» ليتم احتوائهم في أجهزة النظام، وتحديداً المخابرات الجوية والفرقة الرابعة القريبتين من إيران، فضلاً عن نشاطات «حزب الله» في تجنيد العناصر ضمن «سرايا العرين 313».
ومن جانبه شرع «حزب الله» اللبناني منذ آواخر 2018 بإقامة قواعد عسكرية له في محافظة درعا، وقد تركزت بشكل أساسي في منطقة اللجاة شرق المحافظة، وبات الحزب يستخدم قواعده في عمليات تجنيد الشبان وتدريبهم، إذ تشرف عليهم مجموعات من فرقة «الرضوان» التي تمثل قوات النخبة في ميليشيا «حزب الله». كما يقيم العشرات من ضباط وعناصر الحرس الثوري الإيراني في «تل المقداد» المتاخم لبلدة محجة شمال درعا، وهذا المكان تحول هو الآخر إلى مركز تحكم وسيطرة في المنطقة.

عمليات اغتيال




وعلى صعيد التوتر الأمني في درعا الذي سبق الهجوم الأخير ذكرت إحصائيات شبه رسمية أن محافظة درعا شهدت 384 عملية اغتيال منذ توقيع اتفاق التسوية صيف 2018 حتى الآن، وقد توزعت عمليات الاغتيال بين طرفي النزاع، إذ تعرض 135 شخصا من قادة وعناصر فصائل المعارضة للاغتيال، يقابلهم 217 قياديا وعنصرا متعاونا مع القوات النظامية كانوا قد تعرضوا للاغتيال نتيجة هجمات مسلحين على نقاط التفتيش الحكومية أو نتيجة نصب المسلحين للكمائن لأعدائهم من المتعاونين مع قوات النظام أو من ضباط وعناصر الجيش أنفسهم. وذكرت تقارير مطلعة أن مجموعات مسلحة تطلق على نفسها اسم «المقاومة الشعبية» أعلنت عن نفسها أواخر عام 2018 تضم مقاتلين سابقين في الجيش السوري الحر، احتفظوا بسلاحهم الفردي وفضلوا البقاء في قراهم وبلداتهم وعدم مغادرتها إلى شمال سوريا، حيث أخذوا ينفذون عمليات اغتيال بشكل متكرر تستهدف متعاونين مع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام رداً على عمليات الاعتقال والتجنيد الإجباري في محافظة درعا. لم يقبل النظام السوري بهذا الوضع «الهش» واستمرار ما وصفته الجهات الرسمية السورية بـ «فوضى انتشار السلاح في درعا» وكان قائد شرطة المحافظة، العميد ضرار دندل قد أعلن يوم 27 تموز/يوليو الماضي استقدام قوات عسكرية «بالآلاف» إلى الجنوب السوري، وقال في بيان إعلامي إن التعزيزات العسكرية تأتي تمهيدا «لإطلاق عملية محدودة وضبط الفلتان الأمني وعمليات الاغتيال المستمرة في هذه المحافظة المحاذية للحدود مع المملكة الأردنية، ومنطقة الجولان المحتل». كما طالبت قوى الأمن بقايا الفصائل المسلحة بتسليم أسلحتها الخفيفة والخضوع للسيطرة الحكومية، كما طُلب من لجان مدينة درعا تسليم 15 شخصا من المطلوبين ليتم إبعادهم إلى مناطق أخرى في محافظة أدلب، لكن هذه المطالب لم تلق أذنا ضاغية من المعارضة في درعا.
مع اشتعال المعارك الأخيرة نهاية تموز/يوليو أشارت مصادر سورية معارضة مطلعة أن إيران قد أصدرت أوامرها إلى قوات «الدفاع الوطني» بمحافظة السويداء والتي تتلقى دعماً وتمويلاً إيرانياً، من أجل التدخل ومساندة الفِرقة الرابعة التي تقاتل بدرعا ومحاولة فتح جبهة من بلدة القريا وإقحام أهالي السويداء مجدداً بحرب ضد أهالي درعا، في خِطة لعمل فتنة طائفية بين دروز السويداء وسنة درعا.

الصراع الإيراني الاسرائيلي

تحدث المراقبون عن اتفاق غير معلن بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل والأردن، تعهد فيه الجانب الروسي بضمان عدم السماح بالتواجد الإيراني أو حلفائهم في الجنوب السوري، وأن من سيمسك بالأوضاع على الأرض هم القوات العسكرية والأمنية الحكومية السورية بالتعاون مع من بقي من فصائل المعارضة المسلحة، هذا الأمر يعني عدم السماح بتواجد الحرس الثوري الإيراني أو الميليشيات التابعة له سواء كانت سورية أو من أطراف لبنانية أو عراقية في درعا ومحيطها، لكن إيران من جانبها لا يمكن أن ترضى أن يكون هامش مناورتها مقيّداً بأوامر روسية بالاتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تُعتبرهما طهران عدوتيها الأساسيتين في الشرق الأوسط. علاوةً على ذلك، يجب النظر إلى الوضع وفهمه في سياق التنافس بين روسيا وإيران في سوريا وتأثيرهما على النتائج السياسية في البلاد.
لكن الضمانات الروسية لم تكن صارمة التطبيق في كل مدن الجنوب السوري، إذ شهدت بعض البلدات تمدد الوجود الإيراني، مما عرضها لأكثر من 100 غارة إسرائيلية حتى الآن. لذلك قرأ تحرك قوات النظام السوري الأخير على أنه تم بدفع وضغط من طهران لتعديل الموازنة على الأرض بعد عمليات الاغتيالات وتحريض المعارضة بشكل علني ضد الانتخابات الرئاسية السورية الأخيرة التي رفضت عدة جهات معارضة في درعا إقامتها ووصفتها بـ «المسرحية الهزلية». ويبقى الخوف من تداعيات الحل العسكري الذي نفذته قوات النظام، والخوف من أن ينعكس ذلك بشكل توتر إيراني إسرائيلي قد يفجر الوضع الهش في جنوب سوريا، ومن المتوقع أن يشهد الجنوب السوري تزايد الضربات الجوية الإسرائيلية ضدّ الوجود الإيراني والميليشيات الداعمة له، كما ستنفذ إسرائيل ضربات عسكرية ترد بها على هجمات صواريخ الكاتيوشا التي نفذها حزب الله من الجنوب اللبناني قبل أيام.
ومن المتوقع أن يكون ملف الجنوب السوري أحد الملفات الساخنة المرتبط باتهام إيران بالهجمات على ناقلات النفط في خليج عمان وبحر العرب، والمرتبط بدوره بالضغوط الدولية على طهران للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة لمناقشة الملف النووي. كل ذلك قد يخلق من الجنوب السوري ساحة صراع إقليمي وحروب بالإنابة بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، وقد يصبح العنوان الرئيسي لوضع الصراع في درعا هو محاولة إثبات قدرة إيران على ردع إسرائيل. ومع أن مثل هذا السيناريو قد لا يكون وشيكاً، إنما لا يمكن استبعاده.