عن الهوّة السحيقة بين المجتمع والدولة في لبنان – زياد ماجد – القدس العربي

يكثر التساؤل كلّ فترةٍ في لبنان عن الأسباب التي تُتيح لمسؤولين سياسيّين استثنائيّي الرداءة والفساد البقاء في السلطة والتجديد لحُكمهم ولإدارتهم شؤونَ الدولة، في وقت يملك المجتمع مقداراً استثنائياً من الكفاءة والدينامية الثقافية والسياسية. ويصحّ التساؤل نفسه في أكثر البلدان العربية بالطبع، غير أنه في لبنان يملك فائض مقوّماتٍ بالنظر إلى خصائص الديموغرافيا وانتشارها ومستوى التعليم وتاريخ الحريّات العامة والخاصة وقِدم الانفتاح على العالم.

على أن هذا التساؤل الوجيه الذي يمكن لاحقاً تفصيل الإجابة عنه يُسقط من حسابه ما لا يقلّ أهميةً أحياناً من عناصر الإجابة ذاتها. ذلك أن حسبان الهوّة لا يأخذ بالاعتبار أن المجتمع اللبناني تكيّف لفترة طويلة مع ضعف حضور الدولة في يوميّاته، وأوجد آليات تسيير لأموره لم يكن يُعتدّ بمؤسسات الدولة لضمان استمرارها، مما جعل شرائح واسعة منه قليلة الاكتراث بالمسؤولين السياسيين وبمشاريعهم وأدائهم و»دولتهم». كما أن لفئاتٍ لبنانية موسومة بالنجاح والقدرة على الابتكار والتنظيم موقفاً شديد السلبية من السياسة ومن الفعل السياسي، وجد ما يعزّز مبرّراته في مرحلة ما بعد الحرب و»نُخبها» الميليشياوية المرتبطة بالهيمنة السورية، فاكتفى بالنشاطية الاقتصادية أو الثقافية المستقلّة عن الشأن السياسي العام، وخلق مساحات بدت عوالم موازية غير آبهةٍ بعالم السياسة والدولة ورقاعة المسؤولين.




لكن بالعودة إلى الإجابة المباشرة عن أسباب ترسّخ الهوة بين المجتمع و»النخب» السياسية الحاكمة وتنافر خصائص الطرفين وقدرة «النخب» رغم ذلك على البقاء في الحُكم، يمكن البحث في ستة أسباب.

السبب الأول يرتبط بالنظام اللبناني وفلسفته الطائفية التي حدّت تاريخياً من سِعة التمثيل السياسي وتنوّعه ومن تداول السلطة وسمحت بإعلاء الهويّات المذهبية والجهوية على حساب البرامج والمواقف السياسية. وترافق ذلك دورياً مع تشييد تحالفات انتخابية فضفاضة وفّرت ظاهر تسامح وتعدّد، وتجنّبت حتى أواخر ستينات القرن الماضي ردود فعل حادّة ضدّها. وفي هذا ما أطال عمرها وجعل التكيّف معها واللامبالاة تجاهها يسيرَين طالما أن الحرّيات الخاصة والعامة ظلّت محفوظة في ظلّها إلى حدّ مقبول.

السبب الثاني يتّصل بما أفرزته سنوات الحرب الأهلية وما تلاها في حقبة التسعينات من ظواهر، ما زال أثرها عميقاً. فبين صعود زعماء ميليشيات المرحلة الثانية من الحرب (مرحلة الثمانينات التالية للاجتياح الإسرائيلي ولتوسّع دور النظام السوري)، وجلّهم مشارك في السلطة اليوم أو ممسك بمفاتيحها، وبين حقبة الهيمنة المخابراتية السورية المطلقة التي سادت بين العامين 1991 و2005، وبين صعود حزب الله وفرضه بالسلاح بعض خياراته الداخلية والخارجية، وبين السياسات المالية والاقتصادية التي أسّست ثم رافقت حقبة «إعادة الإعمار» واستثماراتها واستدانتها الخارجية ثم من المصارف الخاصة، وبين الفساد الذي اتّسع وبلغ حدود فجورٍ غير مسبوق، تشكّلت دولة «جديدة» تملك منطقها الخاص وشبكة علاقاتها الريعية وعصبيات المسيطرين عليها المتنابذة سياسياً والمتلاحمة نفعياً دفاعاً عن نفسها وعن مكتسباتها، في مواجهة جزء كبير من المجتمع الرافض لها أو غير المعني بها.

السبب الثالث، وربطاً بسابقه، يتمحور حول شبكات الفساد والزبائنية التي تكرّست على مدى العقود الثلاثة الماضية. فهي إذ استأنفت تاريخاً فيه من الخدمات التوظيفية والصحية والتعليمية المتّصلة بكيانات الطوائف وبقوام الزعامات والوجاهات المحلية الكثير، توسّعت في حقبة مساعدات خارجية وموازنات إعادة إعمار وإنفاق سياسي وعون موازنات إقليمية تشحذ الهمم المذهبية في سياق مواجهاتها المفتوحة، وصار لها بالتالي جمهور غير قليل لا يكتفي بالاستفادة الظرفية بل يعدّها مصدر دخله وجاهه الدائمين. وهذا يجعل ولاءه لمن يوفّرها ولاءً مطلقاً أو شرطاً من شروط استمراره في مواجهة موالين آخرين لأولياء نعمة متحالفين أو متخاصمين. وكلّ ذلك بمعزل عن كفاءةٍ وعن برامج ومواقف وعن رأيٍ عام خارج النطق الزبائنية المتعدّدة.

السبب الرابع يستند إلى وسائل الإعلام المرئي والمسموع التي صنعت بخطاب أصحابها المحدودي العدد والموالين لأركان السلطة الرئيسيين جوانبَ من الثقافة السياسية السائدة، وما فيها من وفاق وخصام وتحريض وتخوين وتبرير، بات زاداً يومياً لمعبَّئين شكّلت ولاءاتهم السياسية المنفعة والهوية المذهبية، ولا شكّ أن جمهور حزب الله هو أكثرهم انضباطاً، لكن معظم خصومه وحلفائه الطائفيين يتوقون للاقتداء به والتمثّل بهرميّة الطاعة فيه. وفي هذا أيضاً ما يعمّق هوّة بين اللبنانيين ويجعل البون شاسعاً بين مسؤولين سياسيين يدركون أن لهم أتباعاً مستنفَرين دفاعاً عنهم، وقسم واسع من المجتمع معادٍ لهم لا عصبية أو برنامجاً سياسياً يجمع مكوّناته لتهديدهم.

السبب الخامس يتعلّق بقوانين الانتخاب المعتمدة منذ العام 1992، التي تصعّب عبر التمثيل الأكثري وحجم الدوائر الانتخابية وأشكال التحالفات والحملات الإعلامية والإعلانية وعدم ضبط الإنفاق المالي وسنّ الانتخاب (21 عاماً) وقلّة مشاركة المقيمين خارج البلد، بروز بدائل قادرة على الفوز أو على الاختراق المؤثّر، لا سيّما وأن المقاطعة واللامبالاة يشكّلان كما التصويت المضاد للوائح ممثّلي السلطة أشكال الرفض المُتاحة، ولَو أن بعضها يصبّ في المؤدّى النهائي لصالح السلطة ومسؤوليها وثقافتهم ومنظومة فسادهم.

أما السبب السادس، ولا استثناء لبنانياً فيه، فقوامه استحالة القدرة على توحيد جميع المعارضين للطبقة السياسية الحاكمة ضمن ائتلافات عريضة تفوز بالانتخابات، لأسباب سياسية ولخلافات حول الأولويات، ولقضايا على صلة أحياناً بخصائص أهل السلطة ذاتها وبمن يُستهدف قبل غيره منهم. ولعلّ الانقسام حول حزب الله أبرز الأمثلة في هذا الباب اليومَ، إذ يكفي طرح قضية سلاحه لينفضّ بعض المعارضين مُؤْثِرين التركيز على القضايا الاقتصادية حيث لا يبدو دور الحزب أكثر تسبّباً في الكارثة الراهنة من أدوار سواه.

بهذه العوامل مجتمعةً، معطوفة على النظرة التاريخية للدولة اللبنانية بوصفها محدودة التأثير في شؤون يعدّها البعض خاصةً أو موازية لشأن عام لا تعنيهم أسئلته كثيراً، ومعطوفة أيضاً على انفضاضٍ عن السياسة منذ نهاية الحرب وما تلاها من حقبات واصطفافات، وصولاً إلى ما يبدو منذ سنوات كراهيةً مضمرة أو معلنة للزعماء السياسيين أكثر منه معارضةً عملانية لهم، يمكن فهم ما يجعل الهوة سحيقة بين قسم واسع من المجتمع اللبناني وكفاءاته وحيويّاته وقادة دولته ووضاعتهم.

يبقى أن التفسير لا يشفي غليلاً في لحظات غضب وانهيار كالتي يعيشها معظم الناس اليوم، إذ يرون في الأحوال مهانةً وإذلالاً مضاعفَين لهم، بسبب كارثيّة الظروف أولاً وبسبب وضاعة المسؤولين عن الانحدار إليها ثانياً. ولعلّ في هذا ما قد يدفع من كان قليل المبالاة بالسياسة والانتخابات لتبديل مقاربته واعتبار احتقار السياسيين ودولتهم غير كافٍ لاتقاء شرور فسادهم بعد أن انهارت جميع العوالم اللبنانية وتلاشت هوامش الفصل في ما بينها…