نصف اللبنانيين لا يحصلون على طعامٍ كافٍ وأثرياؤه يعيشون في عالم آخر

في العقود الأخيرة، كان لبنان مكاناً هادئاً نسبياً في منطقة تعج بالاضطرابات. لكنه يعيش الآن في انهيار اقتصادي من النوع الذي لا نصادفه إلا مرة واحدة في القرن. وقد تسارع الانهيار، الذي ينتشر على جميع مستويات المجتمع، بفعل الآثار المستمرة للانفجار الذي حدث في مرفأ بيروت قبل عام واحد.

كيف قاد انفجار مرفأ بيروت لبنان نحو الانهيار؟

تقول صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية التي تناولت في تقرير لها الآثار المدمرة التي خلَّفها انفجار مرفأ بيروت بعد مرور عام عليه، إن انقطاع التيار الكهربائي أصبح متكرراً في لبنان لدرجة أنَّ المطاعم تخصص ساعات عملها وفقاً لجدول الكهرباء من المولدات الخاصة. واندلعت المشاجرات في محلات السوبر ماركت حيث يتدافع المتسوقون لشراء الخبز والسكر وزيت الطهي قبل نفادها، أو يدفع التضخم المفرط الذي تجاوز 400% للأغذية الأسعار بعيدة المنال. وارتفعت السرقات بنسبة 62%، إضافة إلى أنَّ معدلات القتل آخذة في الارتفاع بسرعة.




وفي مايو/أيار، قُتِل غيث المصري، وهو طالب حقوق يبلغ من العمر 24 عاماً ومساعد في محطة وقود من شمال لبنان، بعد مشاجرة مع أحد العملاء عندما رفض تجاوز حد الحصص التموينية المسموح. قال فراس المصري، ابن عم غيث للصحيفة: “قُتِل بدم بارد، فقط لأنه لم يملأ خزان وقود أحدهم”.

الاقتصاد اللبناني لن يعود كما كان من قبل

من جهته، أفاد البنك الدولي، الذي قاس انكماش الناتج المحلي الإجمالي للفرد- الذي انخفض بنحو 40% من 2018 إلى 2020- والوقت المُقدَّر الذي قد يستغرقه لبنان للتعافي، في مايو/أيار، بأنَّ الأزمة الاقتصادية في البلاد يمكن أن تُصنَّف ضمن المراكز الثلاثة الأولى في العالم خلال الأعوام الـ150 الماضية.

وعلَّق مايك أزار، خبير تمويل الديون الذي قدم المشورة للوكالات الحكومية الأمريكية: “في مرحلة ما، تصبح الأزمة سيئة للغاية حتى إنَّ اللَّبِنَات الأساسية للانتعاش تختفي. لن تعود أبداً إلى نوع الاقتصاد الذي كان لديك من قبل”.

وفي حين أنَّ العديد من الأزمات الاقتصادية تنبع من الحروب والكوارث الطبيعية، أو الوباء في الآونة الأخيرة، يكشف انهيار لبنان عن قدرة الحكومة التي لا حدود لها على إلحاق الضرر بنفسها.

وحتى الحرب الأهلية التي استمرت لسنوات، واستيعاب ملايين اللاجئين من الدول المجاورة، والصراعات المتكررة مع إسرائيل، والاغتيالات السياسية، لم تتمكن من تدمير البلاد بهذه الطريقة.

ويُصنِّف البنك الدولي أزمة لبنان على أنها أسوأ من أزمة اليونان في عام 2008، التي تسبَّبت في تشريد عشرات الآلاف من الأشخاص وسنوات من الاضطرابات الاجتماعية، وكذلك أكثر حدة من أزمة عام 2001 في الأرجنتين، التي أثارت أيضاً اضطرابات واسعة النطاق.

لبنان قد يستغرق 19 عاماً للتعافي الاقتصادي

واعتماداً على تعامل لبنان مع الأزمة، قال البنك الدولي إنَّ الدولة يمكنها أن تحتل المرتبة التالية مباشرة بعد تشيلي، التي استغرقت 16 عاماً للتعافي من انهيارها عام 1926. إذ يُقدِّر البنك أنَّ لبنان قد يستغرق ما بين 12 و19 عاماً للتعافي.

ويمكن إرجاع أصل أزمة لبنان إلى نظامه المصرفي، الذي انزلق إلى الإفلاس في عام 2019 عندما انهارت سياسة البلاد المتمثلة في ربط عملتها بالدولار الأمريكي. وبعد سنوات من فقدان مصادر الدولارات التي استخدمها لبنان لدعم عملته، أغلقت البنوك أبوابها لمدة أسبوعين خلال موجة من الاحتجاجات. لكن جاء الإغلاق بنتائج عكسية؛ فقد دفع الجمهور إلى التهافت عليها؛ مما أدى بعد ذلك إلى إغلاق مَنَع المودعين من الوصول لحساباتهم.

وأدى الانفجار الهائل في ميناء بيروت قبل عام إلى تسريع انهيار لبنان. وأسفر الانفجار عن مقتل أكثر من 200 شخص وتسبَّب في أضرار تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار وفقاً لتقدير محافظ بيروت.

وأطاح الانفجار بالحكومة اللبنانية التي استقالت تحت ضغط المحتجين والنخبة السياسية. وبعد تسعة أشهر من المحاولات الفاشلة لتشكيل حكومة جديدة، استقال سعد الحريري، من منصب رئيس الوزراء المُكلَّف بعد خلاف مع رئيس البلاد ميشال عون بشأن التعيينات الوزارية. وفي خطاب استقالته على الهواء مباشرةً، قال الحريري: “ندعو الله أن ينقذ الدولة”.

يلقي كثير من اللبنانيين باللوم على الأحزاب السياسية في البلاد لرفضها الإصلاح وقيادة البلاد إلى الخراب المالي. وقد عززت أقوى هذه المكونات، حزب الله، الخدمات الاجتماعية لمساعدة الناس على التعامل مع الأزمة والحفاظ على مكانتها. وكان زعيم الحزب حسن نصر الله، قد دعا رجاله إلى شن “جهاد زراعي” والبدء في زراعة المحاصيل على نوافذهم وشرفاتهم لتجنب الجوع.

نصف اللبنانيين لا يحصلون على طعامٍ كافٍ

وتترك انقطاعات الكهرباء الآن مساحات شاسعة من الدولة دون كهرباء طوال أغلب ساعات اليوم؛ لأنًّ الحكومة لا يمكنها تحمل نفقات استيراد ما يكفي من وقود.

وبحلول ديسمبر/كانون الأول الماضي، ارتفع معدل البطالة في لبنان إلى ما يقرب من 40%، وفقاً للبنك الدولي. وتراجعت قيمة الحد الأدنى للأجور الشهرية من حوالي 450 دولاراً إلى ما يعادل 35 دولاراً حالياً. ويقول العديد من أفراد الطبقة المتوسطة إنهم اقتطعوا اللحوم والأسماك والدجاج من وجباتهم الغذائية. ويشعر ما يقرب من نصف اللبنانيين، وتحديداً 49%، بالقلق بشأن الحصول على طعام كافٍ، وفقاً لبرنامج الغذاء العالمي.

وفي مارس/آذار، حذَّر قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، من أنَّ جنوده يعانون من الجوع. وللمساعدة في جمع الأموال للمؤسسة التي تساعد على تماسك البلاد، بدأت القوات المسلحة الشهر الماضي في تقديم جولات جوية على طائرات هليكوبتر عسكرية مقابل 150 دولاراً للفرد، وفقاً لموقع القوات المسلحة على الإنترنت.

ويُكدِّس المغتربون اللبنانيون، في رحلات العودة إلى وطنهم، حقائبَهم ببخاخات الربو والأسبرين التي يحتاجها أقرباؤهم لكن لا يستطيعون إيجادها في الداخل.

وفي مستشفيات لبنان، نفدت بعض الأدوية اللازمة للتخدير وجراحات القلب بينما يقاتل الموظفون لتوفير الوقود والماء، بحسب رئيس نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة، سليمان هارون. وقال الدكتور هارون: “بدلاً من الاهتمام بالأشياء المهمة، نعتني بأشياء تافهة مثل إيجاد الديزل للمولدات والكهرباء والمياه، التي يتعين علينا بعد ذلك تعقيمها”.

وقد غادر البلد ما يصل إلى 1200 طبيب منذ العام الماضي، بحسب نقيب الأطباء في لبنان الدكتور شرف أبوشرف. وتعاني المستشفيات من نزيف الموظفين حتى في الوقت الذي يصارع فيه لبنان جائحة فيروس كورونا المستجد. وقال الدكتور شرف: “هذا محزن. هؤلاء الأطباء ذوو مهارات عالية ومتخصصون”.

انهيار النظام المصرفي

ويمثل الوضع الحالي منعطفاً دراماتيكياً من الأيام التي بدا فيها أنَّ لبنان يتحدى الجاذبية الاقتصادية. فقد ازدهر الاقتصاد بعد نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، مدعوماً بالمساعدات الخارجية وضخ السيولة من ملايين اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج. وبفضل تقاضي رواتب بعملة مربوطة بالدولار، اشترى اللبنانيون من الطبقة المتوسطة سيارات رياضية بالدين وقضوا إجازاتهم في أوروبا. وافتتح تجار السيارات الفاخرة والألماس محلات في الأحياء حيث لا تزال رصاصات الحروب تملأ المباني.

حتى عندما اقتربت المشكلات، نجح لبنان في تفاديها. وأشيد بحاكم البنك المركزي رياض سلامة، المصرفي السابق في ميريل لينش، باعتباره بطلاً أنقذ لبنان من الأزمة المالية العالمية لعام 2008. فقبل بضع سنوات، منع سلامة البنوك من الاستثمار في الأوراق المالية المدعومة بالرهونات؛ مما حدّ من تعرض لبنان للأزمة التي هزّت بعض أكبر المؤسسات المالية في العالم.

وبالرغم من أنَّ سلامة لا يزال يرأس المصرف المركزي، فإنه يتعرض لانتقادات حادة بسبب قيادة لبنان بطيش إلى الأزمة الحالية.

إذ تحت قيادة سلامة، اقترض البنك المركزي بكثافة وقدم عوائد عالية على الودائع بالدولار لتعويض خسارة الدولارات التي قدمها على مدى سنوات المغتربون اللبنانيون المقيمون في الخارج، والمساعدات الخارجية. وبعد الربيع العربي عام 2011، تباطأت التحويلات الخارجية والسياحة وغيرهما من مصادر العملات الأجنبية تباطؤاً حاداً، حين اجتاحت الحروب والاضطرابات السياسية منطقة الشرق الأوسط.

ووافقت البنوك اللبنانية على منح فوائد عالية للمودعين، لكنها كانت تفتقر إلى الأموال اللازمة لتغطية جميع الحسابات.

وفي مؤتمر صحفي تناول الأزمة اللبنانية في سبتمبر/أيلول 2020، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الترتيب بأنه “مخطط بونزي”- وهو شكل من أشكال الاحتيال المالي.

تراجعت قيمة الليرة اللبنانية بواقع أكثر من 90% منذ عام 2019، حين فك لبنان ربط عملته بالدولار الأمريكي. فأصبح متوسط رواتب اللبنانيين العاديين بين عشيةٍ وضحاها يساوي نحو عُشر ما كان عليه.

لكن أثرياء لبنان يعيشون في عالم آخر

وعلى بُعد 50 ميلاً (80.5 كيلومتر تقريباً) إلى الشمال من بيروت، في متجر حلويات بمدينة طرابلس اللبنانية، يقول جمال المعاوية إنَّ عليه الآن دفع نحو 10 أضعاف ما كان يدفعه لشراء الطحين والسكر والسلع الأساسية الأخرى. ومثل الكثيرين غيره، كان المصرفيّ، وهو في السبعينيات من عمره، قد عاد إلى لبنان قبل بضع سنوات آملاً بالتقاعد في بلده الأم بعدما أمضى سنواتٍ في العمل باليونان والولايات المتحدة. وهو يلقي باللوم على الساسة اللبنانيين في تحطيم تلك الأحلام.

واتت الفرصة لبنان لكبح سقوطه العام الماضي حين وضعت الحكومة خطة لإصلاحات اقتصادية عميقة، وخفض الإنفاق العام، بما في ذلك الإنفاق على الأجور، وإعادة هيكلة للمصارف كانت ستتطلَّب مساهمة مؤقتة من المُودِعين للمساعدة في تعويض خسائر النظام التي تُقدَّر بـ83 مليار دولار. وقد أشاد صندوق النقد الدولي بالخطة، قائلاً إنَّها تطرح أساساً للمباحثات بشأن خطة إنقاذ.

رفض الساسة اللبنانيون ومصارف البلاد الخطة، وحذرت جمعية مصارف لبنان من أنَّها ستضر بثقة المستثمرين وتنتهك حقوق الملكية الخاصة. واستقال مفاوضو خطة الإنقاذ بسبب الإحباط من ذلك.

قال آلان بيفاني، وهو مسؤول مخضرم عَمِل بوزارة المالية اللبنانية طوال 20 عاماً وكان أحد المسؤولين المستقيلين: “إن لم تكن تريد طرح إصلاحات، ولا تريد السماح للاقتصاد بالانتعاش، فماذا نفعل إذاً؟”.

ما يؤجج الغضب من البنوك هو التصور بأنَّ النخبة اللبنانية ترسل أموالها إلى الخارج، في حين يُمنَع المواطنون اللبنانيون من الوصول إلى حساباتهم الدولارية داخل البلاد. ووفقاً للبنك الوطني السويسري، وهو البنك المركزي في البلاد، أودع الأثرياء اللبنانيون 2.7 مليار دولار في البنوك السويسرية وحدها في عام 2020.

وتسعى إدارة بايدن لمضاعفة ميزانية الدعم الاقتصادي للبنان من جانب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتصل إلى 112 مليون دولار خلال العام المالي المقبل، وذلك بحسب مسؤول مطلع على الميزانية. في الوقت نفسه، تقدم فرنسا وقطر والولايات المتحدة مواد غذائية وأموالاً لمنع الجيش اللبناني من الانهيار.

وقال مسؤول غربي كبير في بيروت للصحيفة الأمريكية: “حين أُعاني الأرق ليلاً، يمكنني أن أفكر في كل أشكال السيناريوهات التي يعود فيها المرء إلى أمراء الحرب والميليشيات المسلحة التي تحتل مناطق جغرافية. معاذ الله أن نصل إلى ذلك”، حسب تعبيره.