هل يُضحّي «الثنائي الشيعي» بـ»الــمال»؟

راكيل عتيِّق – الجمهورية

الأمور حكومياً في خواتيمها، بحسب ما أعلن الرئيس المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي، أمس، من القصر الجمهوري. لكن على رغم «النيّات الحسنة» للتسهيل التي يعلنها جميع الأفرقاء، إلّا أنّ موضوع المداورة في الحقائب لم يُحسم بعد. وتعتبر أوساط مطّلعة أنّ مسحة التفاؤل التي يظهرها ميقاتي مُنطلقة من الضغوط الخارجية التي تزداد، وعُبّر عنها في مؤتمر الدعم الأخير، وقد يكون التلويح بالعقوبات الأوروبية مجدداً بعد وضع إطار قانوني لها بإجماع الاتحاد الأوروبي، من أبرز عوامل الضغط للإسراع في التأليف، فضلاً عن الأحداث الحدودية الجنوبية التي حصلت أمس.




كذلك يتفاءل أفرقاء سياسيون في إمكانية التأليف، إنطلاقاً من أنّ ميقاتي متحمّس ويعمل الى أبعد الحدود، ولن ييأس أو يفتعل إشكالاً، ويكثّف تَشاوره مع عون على عكس الرئيس سعد الحريري. ويرى معنيون أنّ ميقاتي يعتمد التأليف وفق قاعدة «دِق عالحديد بالآخر بيفرط»، هذا فضلاً عن أنّ عون مرتاح للتعاون معه ولا يرى في مسار التأليف الذي يعتمده أي نيّة للعرقلة ما يَجعله يتفاهم معه أكثر، وربما يعطيه ما لم يُعطِه للحريري. إلّا أنّ مسار التأليف منذ عام يجعل معنيين يقولون: «لم نعد نجرؤ على الحديث عن تفاؤل، ويبقى الحذر سيّد الموقف الى لحظة ولادة الحكومة».

عملياً، لا يزال عون متمسّكاً بالمداورة في الحقائب إنطلاقاً من عدم تكريس أي حقيبة وزارية لأيّ طائفة بحسب روحية الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، ولذلك يرغب في أن يتولّى مسيحي وزارة الداخلية أو المال. في المقابل يرغب ميقاتي في الحفاظ على التوزيع نفسه للحقائب على الطوائف تفادياً لتحريك «وكر الدبابير». فمن جهة يتمسّك «الثنائي الشيعي»، منذ تكليف السفير مصطفى أديب تأليف الحكومة، بتخصيص وزارة المال للشيعة، ومن جهةٍ ثانية يتمسّك الأفرقاء السنّة بوزارة الداخلية ما يشكّل ضغطاً على ميقاتي.

وبالتالي، يرى البعض أنّ المخرج لتوزيع الحقائب السيادية الأربع على الطوائف، لإرضاء عون من جهة، ولعدم إحراج ميقاتي من جهة ثانية أمام نادي رؤساء الحكومة السابقين ولكي لا يظهر أنّه يتخلّى عن «مكاسب سنّية»، هو أن يتخلّى «الثنائي الشيعي» عن تَمسّكه بوزارة المال بحيث يتولّاها مسيحي وتبقى حقيبة وزارة الداخلية مع السّنة فيحصل الشيعة على إحدى وزارتي الخارجية أو الدفاع، وبالتالي تتخطّى العربة الحكومية العقبة الاولى، لتنتقل الى مرحلة الاسماء.

وفي حين يعتبر قريبون من رئيس الجمهورية أنّ التمسّك الشيعي بوزارة المال فتحَ الباب أمام التمسّك السنّي بوزارة الداخلية، وبالتالي حرمان الفريق المسيحي من هاتين الوزارتين ما يُناقض الدستور والمبادرة الفرنسية التي تنص على المداورة، لا يعتبر «الحزب» أنّ تَمسّكه وحركة «أمل» بهذه الوزارة يفتح الباب أمام الأفرقاء الآخرين للتمسّك بوزارات معينة، إذ إنّ هذا الأمر لا ينطلق من هدف الحصص بل من «المشاركة الميثاقية» المحصورة في هذه الوزارة فقط. فعلى رغم أنّه لم يتم الاتفاق على تخصيص وزارة المال للطائفة الشيعية في «اتفاق الطائف»، وأنّ خلوّ الدستور أو وثيقة الوفاق الوطني من هذا النص دليل الى ذلك، ما زال «الثنائي الشيعي» مصرّاً على أنّ وزارة الما،ل منذ «اتفاق الطائف» وبحسب محاضره، مُخصّصة للشيعة عُرفاً، حتى لو حصلت استثناءات منذ أوائل التسعينات الى الآن وحتى لو كان غالبية وزراء المال المتعاقبين من خارج الطائفة الشيعية، إذ إنّ هذه الاستثناءات، بحسب «الثنائي»، جَرت ضمن تسويات معينة.

وبالتالي، هل يتخلّى «الثنائي الشيعي» عن وزارة المال بعدما رفض ذلك إبّان مرحلتَي تكليف كلّ من أديب والحريري، خصوصاً أنّ حركة «أمل» و«حزب الله» ربطا التمسُّك بحقيبة المال بالميثاقية في التوقيع في السلطة التنفيذية أي بالتمسُّك بالتوقيع الشيعي على المراسيم؟ وما الذي قد يبَدّل موقف «الثنائي» الآن، ولماذا يسهّل مهمة ميقاتي فيما لم يسهّل مهمة كلّ من أديب والحريري لهذه الجهة؟ تقول مصادر قريبة من بري: «نحن نضحّي طوال عمرنا»، مذكّرة بـ«تضحيتنا بوزير شيعي، وتوزير النائب فيصل كرامي السنّي من حصتنا، والرئيس بري تحمّل مسؤولية ذلك أمام الشيعة والجميع، فنحن نَفَسنا وطني وليس طائفياً».

وإذ تشير الى أنّ «تمسّكنا بوزارة المال منطَلِق من «اتفاق الطائف»، ولأنّ الآخرين يرفضون قيام الدولة المدنية»، تَلفت الى «أنّنا لسنا بمفردنا في الساحة الوطنية والسياسية، وحين نشعر أنّ غيرنا يضحّي نضحّي بدورنا، لكن حين يقول أحدهم إنّه لا يريد أن يشارك في الحكومة أو أن يعطي الثقة للحكومة ويطالِب بـ8 وزراء لرئيس الجمهورية وأن يسمّي الوزيرين المسيحيين اللذين يؤمّنان له ثلثاً معطّلاً، لا يكون هناك تضحية. وبالتالي، التضحيات يجب أن تكون متبادلة وليس جديداً علينا أن نضحّي، لكنّ التضحية يجب أن تكون مشتركة وجميعنا علينا فِعل ذلك، فما نفع الوزارات إذا لم يبقَ بلد وشعب؟ ونحن عقليتنا عقلية تضحية».

وإذا كان «الثنائي الشيعي» سيتخلّى عن وزارة المال إذا لمس أنّ عون ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل تخلّيا عن الثلث المعطّل وَسهّل باسيل التأليف، تؤكد المصادر نفسها أنّه «إذا كان هناك وقت ومجال للتضحية سنكون أوّل من يضحّي، ولم نكن في عمرنا حجر عثرة إذا كانت هناك حلول». وتجزم أنّ ما يقبل به الرئيس نبيه بري حكوميّاً يوافق عليه «حزب الله»، وأيّ قرار يُتّخذ سيكون بالتشاور بين الجانبين.