فارس خشان - الحرة

السياسة في لبنان يرسمها المجرمون.. ويُنفّذها الخاضعون – فارس خشان – الحرة

اللبنانيون، بنسبة أعلى من الإسرائيليين، يشتبهون في أنّ الصواريخ التي انطلقت من لبنان إلى “كريات شمونا” الإسرائيلية، في الرابع من أغسطس 2021 بالتحديد، كانت تهدف إلى سرقة الأضواء كليّاً من شارع غاضب يُحيي في بيروت الذكرى السنوية الأولى لتفجير مرفأ بيروت، وسط تنامي القناعات بمسؤولية مشتركة لـ”حزب الله” والنظام السوري في “أصل” هذه المأساة، ومن مجتمع دولي يعقد اجتماعاً من أجل تقديم مساعدات للشعب اللبناني، مع تسجيل حضور غير مسبوق، منذ مدة، للمملكة العربية السعودية التي، خلافاً لغيرها، لا تتردد في إعلان ربط الكارثة اللبنانية بـ”حزب الله”.

وإنْ كانت الصواريخ التي يتم نسبها الى مجموعات فلسطينية “متفلّتة” لم تؤثّر على مجريات هذين الحدَثين، فوراً، إلّا أنّها، في اليوم التالي، فعلت، فبدل أن تقرأ البلاد مفاعيل التظاهرتين اللبنانية والدولية وتستخلص دروسها، حصرت اهتمامها- أو كادت- بالصواريخ وردود إسرائيل العسكرية عليها.




وهكذا انتقل اللبنانيون، فجأة، من التركيز على ويلاتهم التي لها منشأ جرمي، الى الخشية من كارثة جديدة يمكن أن يتم جرّهم إليها، كأن يكونوا، مرة جديدة، وقوداً في خدمة اشتباك إقليمي-دولي كبير محوره إيران التي أكملت مسار نقل “السلطة” إلى المتشدّد، صاحب السجل الإنساني الأسود، إبراهيم رئيسي، وتسعى، بكل “الوسائل الخفية” التي تملكها إلى خلق واقع جديد يعينها على أزمتها الكبيرة، في ظل تسجيل الإدارة الأميركية “برودة” في مسار العودة إلى الاتفاق النووي من جهة، وسخونة إسرائيلية مدعومة من جزء كبير في الكونغرس الأميركي، لتوجيه ضربة عسكرية كبيرة إلى إيران، من جهة أخرى.

والتنويه بإمكان جرّ لبنان، في لحظة يفتقد فيها كلّ مقوّمات الصمود المالية والاقتصادية والمعيشية، إلى مواجهة حربية، لا يهدف إلى التذكير بثابتة معروفة في عالم الإجرام، بحيث يتم طي جريمة كبيرة بارتكاب جريمة أكبر منها، بل إلى التذكير بأنّ “بلاد الأرز “تبدأ مآسيها وتستمر بفعل الهيمنة الخارجية على قرار البلاد.

وفي هذه الحالة، فإنّ اعتبار لبنان دولة فاشلة، لا يعود، كما يحاول البعض أن يوحي، إلى قصور لبناني عن إدارة سياسة ناجحة، بل الى فرض القوى المهيمنة، بالإرهاب، طبقة سياسية تريحها.

ومنذ الأيّام الاولى لاتفاق الطائف، بدأ التعاطي مع لبنان، على قاعدة فرض طبقة سياسية مريحة للقوى المهيمنة.

ولقد نسي اللبنانيون، بفعل كثرة الجرائم التي يعايشونها، أنّ اتفاق الطائف بدأ باغتيال أوّل رئيس لـ”الجمهورية الثانية”.

لم يكن اغتيال رينيه معوّض إلّا لأنّه حاول أن يكون تنفيذ اتفاق الطائف، وفق ما يراعي المصلحة اللبنانية العليا، وليس على قاعدة تعزيز السيطرة السورية على البلاد والعباد.

ويبقى ملف رينيه معوّض، رغم مرور أكثر من 32 سنة على وقوع الجريمة، فارغاً ومقيّداً برسم مجهول.

وإخضاع الطبقة السياسية لإرادة القوة المهيمنة على البلاد، لا يكون في ممارسة الاغتيال فحسب، بل يكون، وهنا الأدهى، في منع التحقيقات من الوصول الى الحقيقة، أيضاً.

وما يشكو منه اللبنانيون في ملف تفجير مرفأ بيروت وما سبقه من جرائم، لجهة محاولة عرقلة التحقيقات، ليس سوى جزء من مسار مدروس بعناية لإخضاع اللبنانيين.

لقد عانى اللبنانيون ما لم تعانِ منه سوى شعوب قليلة في العالم، فهم أخضعوا، على مرّ العقود، بقوة الحديد والنار والعبوات الناسفة والحروب المفتعلة، لشتى أنواع الاحتلال، فهيمنت عليهم تباعاً منظمة التحرير الفلسطينية، وإسرائيل، وسوريا، وإيران.

وهذه الاحتلالات المتعاقبة والمتداخلة كانت دوماً تفرض الطبقة السياسية التي تلائمها، متوسّلة الاغتيالات لإزاحة كل من يشكّل عائقاً أمامها، أو لإخضاع من يمكن أن يتمرّد على هيمنتها.

وكانت هذه القوى المهيمنة تأمن جانب عموم اللبنانيين، من خلال تغذية انقساماتهم الطائفية، حتى بات يمكن القول إنّ أكثر سياسي يعمل لمصلحة القوة المهيمنة هو الأكثر كلاماً عن “قوة” طائفته.

ولم يستطع لبنان أن يسجّل حضوراً شعبياً منتجاً إلّا في الفترات “العابرة” التي قويت فيها الوطنية على الطائفية.

ولعلّ الحدث الأقرب إلى ذاكرة اللبنانيين، لهذه الجهة، تجسّد مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005، وكان الانسحاب السوري من لبنان، أحد أبرز نتائجه.

ولم تستطع إيران، من خلال “حزب الله”، أن تأخذ الدور السوري في لبنان، إلّا عندما عادت الطائفية الى أوجّها، مستفيدة من أدوار رائدة لعبها، في هذا المجال، العماد ميشال عون ونجح في جذب الجميع إليها.

وعون نفسه لم يصل الى رئاسة الجمهورية إلّا بالفرض، وعلى قاعدة معيار احتلالي، بعدما جرت مساعدته، مالياً وانتخابياً وإعلامياً وسياسياً وترهيباً وترغيباً، ليتوّج “الأقوى في طائفته”.

وفي عهد “الأقوى في طائفته” أكمل “حزب الله”، ومن خلاله إيران، هيمنته على لبنان، ممّا أدخل البلاد، شيئاً فشيئاً، في “جهنّم”، فانبرى من يعرف ومن لا يعرف، لتدبيج قصائد الهجاء بحق الدولة والشعب، ناسباً الطبقة السياسية إلى طبيعة النظام السياسي و”تهاون” الشعب اللبناني، وليس إلى فرض القوى المهيمنة على البلاد والعباد، بالنار والحديد والعبوات الناسفة و”حقك رصاصة”.

لقد اختصر الرابع من أغسطس 2021 حقيقة المعاناة اللبنانية، ففيما سار اللبنانيون في عاصمتهم رافعين لواء سيادتهم- ولو من البوابة القضائية كعنوان جامع- ونظّم المجتمع الدولي تظاهرة دعم كبيرة للشعب، كانت القوّة المهيمنة تفتح “ثغرة صاروخية” في جنوب البلاد، بهدف جرّ لبنان، بالقوة، إلى جريمة جديدة من أجل التغطية على الجريمة التي سبقتها، حتى تبقي هذه القوة سيطرتها الدموية على لبنان، الذي تستخدمه بيدقاً في مشاريعها.