صراع المضيق.. إيران تصدر النفط من “جاسك” وتصعد هجماتها في “هرمز”

خلال الأسبوع الأخير من شهر يوليو، أعلنت إيران عن “مشروع عملاق” يهدف إلى نقل النفط من محافظة بو شهر إلى ميناء جاسك بمحافظة هرمزكان وذلك بهدف الابتعاد عن العبور من مضيق هرمز.

وفي الأيام الماضية، وبالتزامن مع تولي إبراهيم رئيسي السلطة في إيران، تصاعدت الهجمات على ناقلات النفط في مياه الخليج من خلال حوادث نسبتها إسرائيل وأميركا ودول أوروبية إلى طهران. لكن إيران تنفي بشدة ضلوعها في أي حادث.




وسط تصاعد التوترات في المنطقة يأتي استهداف ناقلة نفط تديرها شركة مملوكة لرجل أعمال إسرائيلي، ومحاولة خطف ناقلة نفط أخرى كانت متجه إلى ميناء بالفجيرة بالقرب من مضيق هرمز الاستراتيجي ليسلط الضوء على مسألة تصدير إيران للنفط عبر الممر المائي الذي يمثل خُمس صادرات النفط العالمية ومحور أساسي للأسطول الخامس للبحرية الأميركية.

وهذه الهجمات في بحر العرب تتزامن أيضا مع أولى شحنات النفط الإيرانية من محطتها الجديدة في ميناء جاسك بخليج عمان، فيما يعتقد محللون أن هذه الأعمال يمكن أن تكون إشارة للحلفاء والخصوم على حد سواء بأن طهران لم تعد مرتبطة بالمضيق استراتيجيا أو اقتصاديا، حسبما ذكرت مجلة “فوربس” الأميركية.

وتصف إدارة معلومات الطاقة الأميركية هرمز بأنه “أهم ممر عبور للنفط” في العالم، وفي حين أشار التحليل الذي نشرته المجلة الأميركية إلى أن المضيق لن يفقد أهميته، فإن امتلاك إيران لمنفذ بديل لتصدير البترول جعلها أكثر جرأة في أعمالها العدائية بمنطقة بحر العرب، دون خوف من العواقب.

إيران تبدأ بتشغيل خط تصدير النفط خارج مضيق هرمز
إيران تبدأ بتشغيل خط تصدير النفط خارج مضيق هرمز

ويرى الباحث السياسي، عبدالله الجنيد، أن إيران – وإن كانت تملك البنى التحتية اللازمة لتصدير نفطها من ميناء جاسك أو جابهار – فإن العقوبات الأميركية ستحرمها من تصدير كامل حصتها.

ويدلل الجنيد على ذلك في حديثه لموقع قناة “الحرة” قائلا إن الهند وهي ثاني أكبر مستورد للنفط الإيراني بعد الصين، “لم تعد تعتمد على الخام الإيراني ولا تملك تجاوز العقوبات أو إغضاب حلفاءها الاستراتيجيين”.

وكانت الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، تشتري ما يصل إلى 480 ألف برميل يوميا في 2018، قبل أن انتهاء الإعفاء المؤقت الممنوح لبعض الدول على خلفية العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.

وفي مايو الماضي، قال متحدث باسم شركة “بهارات بتروليوم” (BPCL.NS) التي تديرها الحكومة الهندية، إنها ستشتري النفط الإيراني إذا تم رفع العقوبات.

وأشار المتحدث في تصريح لوكالة رويترز إلى أن الخام الإيراني الغني بمواد التقطير عالية الكبريت يناسب مصفاة كوتشي التابعة لـ “بهارات بتروليوم” وتقل تكلفته بين 2 و2.5 دولار للبرميل عن البقية.

“ربط غير موفق”

من جانبه، يستبعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات، عبدالخالق عبدالله، ربط الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط بتصدير النفط الإيراني بعيدا عن الممر المائي الحيوي.

وقال عبدالله لموقع قناة “الحرة” إن “ربط الهجمات الأخيرة بالعقوبات الأميركية غير موفق”.

وطبقا لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، فإن المشروع يهدف لنقل مليون برميل من النفط المنتج في خوزستان إلى سواحل مكران وتخزينه بالسواحل المطلة بحر عمان، كما أن “التصدير من ميناء جاسك سيؤدي لخفض المسافة لزبائن النفط الايراني بمقدار 1000 ميل بحري وخفض نفقة النقل للبرميل الواحد من 60 إلى 40 سنتا”.

ولم تكشف إيران عن بيانات صادراتها النفطية، لكن التقييمات المستندة إلى تتبع الناقلات تظهر أن الصادرات تراجعت من ذروة بلغت 2.8 مليون برميل يوميا إلى 200 ألف برميل يوميا في 2018.

ويتوقع محللون أن تزيد إيران صادرات الخام إلى 1.5 مليون برميل يوميا حال رفع العقوبات عنها، بحسب وكالة رويترز.

ويضيف الأكاديمي الإماراتي البارز قائلا: “في تقديري هذا (استهداف السفن) يجسد النمط الإيراني في التعامل مع المنطقة: ما تود إيران أن تقوله للعالم بمثل هذه الأفعال أنها شرطي المنطقة وأن هذا الخليج العربي هو فارسي بالمعنى السياسي والاستراتيجي، أكثر مما هو رد على المقاطعة وتصدير نفطها … “.

والثلاثاء، قالت ثلاثة مصادر أمنية بحرية إنه من المعتقد أن قوات مدعومة من إيران احتجزت ناقلة نفط في الخليج قبالة سواحل الإمارات، بعد أن أفادت وكالة التجارة البحرية البريطانية عن “اختطاف محتمل” لسفن في المنطقة. ويأتي ذلك بعد أيام من تعرض ناقلة نفط في بحر العرب لهجوم عبر طائرات مسيرة اتهمت فيه إيران أيضا من قبل دول غربية وإسرائيل.

يتابع عبدالله: “إذا كانت إيران بالفعل مسؤولة عن هذه الأعمال فلا بد من ردعها، وهذا الشيء يعد مهما بأي طريقة. إنها مهمة المجتمع الدولي”.

موقع عملية "الخطف المحتملة" لناقلة النفط "اسفلت برنسس"
موقع عملية “الخطف المحتملة” لناقلة النفط “اسفلت برنسس”

وبدوره، يقول الجنيد إن “الهجمات تمثل تصعيدا غير مسبوق بعد يوم من تولي إبراهيم رئيسي مهام منصبه الجديد” متسائلا: “هل مثلت تلك العمليات رسالة خشنة للأطراف الدولية المتفاوضة مع إيران حول ملفاتها المتعددة، إم أن القرار اتخذ من قبل قائد الحرس الثوري الإيراني بمعزل عن الرئيس الجديد، مما قد يمثل امتحان للإرادات داخل السلطة”.

وتابع: “الاتصال اللاسلكي بين قبطان السفينة المخطوفة أسفلت برنسس وبرج تسيير الملاحة في إمارة الفجيرة، أكد أن جنسية الخاطفين إيرانية، وكانت السفينة متوجهة إلى ميناء جاسك الإيراني، قبل تدخل البحرية العمانية والأميركية، مما حدى بالخاطفين إلى مغادرة السفينة”.

وقال الجنيد: “بذلك كل القرائن تؤكد مسؤولية إيران عن الحادثة”.

وانخرطت طهران وواشنطن في مفاوضات غير مباشرة لرفع العقوبات مقابل إعادة التزام الطرفين بالاتفاق النووي المبرم عام 2015 والذي انسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قبل أن يعيد فرض عقوبات قاسية على إيران.

لكن المفاوضات الجارية منذ أبريل في العاصمة النمساوية فيينا متوقفة منذ يونيو بعد 6 جولات لم يتوصل فيها الطرفان إلى اتفاق لإحياء الصفقة.

من جانبه، يقول الكاتب محمد يوسف إن الهجمات الأخيرة “في عرض البحر مع تنصيب الرئيس الجديد بلا شك لها أهداف أكبر من هذه النظرة الضيقة التي تنظر بها الدول الكبرى للاعتداءات الأخيرة”.

وكتب يوسف في صحيفة “البيان” أنه “وللأسف تلك الدول لا تهمها كثيرا القوانين الدولية، ولا تلتفت إلى الأضرار التي تلحق بالآخرين، هي لها حسابات أخرى” في إشارة واضحة إلى إيران.

وبينما يؤكد عبدالخالق أن مهمة التصدي لتلك الهجمات هي من مسؤولية المجتمع الدولي على اعتبار أنها تمثل تهديدا مباشر للجميع، يوضح الجنيد أن “دول مجلس التعاون تمتلك قدرات الردع المناسبة إن قررت هي اتخاذ ذلك القرار”.

وقال الجنيد إن “المجتمع الدولي يتطلع لأن يكون للمجلس موقفا صريحا من العبث الإيراني بسلامة الملاحة”.

أما عبدالله يقول إن “دول الخليج ليست مع زيادة التوتر”، مشيرا إلى أن الانجرار إلى صراع بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى لا يصب في مصلحة دول الخليج العربية.