عام على كارثة مرفأ بيروت.. العدالة مهددة و”معركة كسر عظم” تلوح في الأفق

يضرب اللبنانيون اليوم موعدهم مع الذكرى السنوية الأولى لأكبر انفجار غير نووي عرفه العالم، كانت عاصمتهم بيروت أبرز ضحاياه، ومعها 216 شخصاً سقطوا بنتيجته، إضافة إلى أكثر من 6500 جريح، فيما لم تصدر حتى الآن أي نتائج لتحقيقات ولم تحدد المسؤوليات، وسط غياب لأي مؤشرات تدل على بوادر عدالة قريبة.

وتواكب البلاد ذكرى الرابع من أغسطس، بتحضيرات مكثفة لأنشطة الذكرى التي تأخذ شكلاً احتجاجياً، أمام المرفأ، وتنتهي بدعوات للتظاهر في ساحة الشهداء وأمام المجلس النيابي، وهي الساحات التي كانت قد شهدت خلال العامين الماضيين جولات الاشتباكات العنيفة بين المحتجين وعناصر الأمن ومكافحة الشغب، في حين أعلنت السلطات في البلاد يوم حداد وطني وتنكيس أعلام وإغلاق لجميع المؤسسات العامة في البلاد.




تأتي هذه الذكرى في وقت تعيش فيه البلاد ذروة تداعيات أزمتها الاقتصادية وانهيارها المالي، الذي ينعكس شللاً سياسياً وانفجاراً اجتماعيا في البلاد، يهدد بآثاره كافة القطاعات والمؤسسات الرسمية والخاصة، ويثير سخطاً كبيراً لدى المواطنين الذين يرون فشلاً رسمياً في إدارة البلاد، في حين يعاني سكان لبنان من نقص حاد في موادهم الرئيسية وسلعهم الأساسية، وارتفاع هائل في الأسعار بينما تراجعت القدرة الشرائية للعملة الوطنية (الليرة) نحو 15 ضعفاً.

زلزال لم يتوقف

ولا تزال آثار الانفجار وتأثيراته واضحة جداً في حياة اللبنانيين وفي أحياء عاصمتهم التي لم تستعد حتى اليوم حياتها الطبيعية، ولا تزال منكوبة حتى في الشكل حيث فشلت الحكومة اللبنانية في إجراء الترميمات ودفع التعويضات وإزالة آثار الانفجار وإعادة السكان إلى منازلهم.

وبحسب السلطات اللبنانية فقد نتج الانفجار عن حريق في العنبر رقم 12 من مرفأ بيروت، أدى إلى انفجار 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم كانت مخزنة منذ العام 2013 بطريقة سيئة وظروف غير آمنة وسط غياب لأي إجراءات وقائية.

لا تزال آثار الانفجار وتأثيراته واضحة جداً
لا تزال آثار الانفجار وتأثيراته واضحة جداً

في حينها سجل المعهد الأميركي للجيوفيزياء الانفجار على أنه زلزال بقوة ما بين 3.3 و4.5 درجات على مقياس ريختر، بينما شعر سكان جزيرة قبرص بهزة أرضية يوم الرابع من أغسطس 2020 بالتزامن مع توقيت الانفجار، الذي أدى بحسب الإحصاءات الرسمية إلى تضرر 73 ألف شقة سكنية في بيروت، 9200 مبنى، ما نتج عنه تشرد نحو 300 ألف شخص، في حين فقد 70 ألف شخص وظائفهم، وتضررت 163 مدرسة ومنشأة تعليمية، إضافة إلى 106 منشأة صحية، بينها 6 مستشفيات و20 عيادة طبية.

ويعاني آلاف اللبنانيين اليوم، ولا سيما سكان بيروت، من اضطرابات ما بعد الصدمة الناتجة عن الانفجار، وصدمات نفسية تظهر على شكل عوارض أبرزها نوبات الهلع والأرق وفقدان الشهية والنسيان وقلة التركيز وفقدان الاهتمام والأفكار السلبية، فيما ازداد الإقبال بشكل كبير جداً على طلب المساعدة النفسية والاتصالات على الخطوط الساخنة المخصصة للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، وفقاً لما تشير تقارير منظمات الرعاية النفسية في البلاد.

سنة بلا إجابات

قبل سنة من اليوم خرجت الحكومة اللبنانية على شعبها بعد الانفجار، واعدة بتقديم نتائج التحقيقات وتحديد المسؤوليات ضمن مهلة زمنية قدرها ٥5 أيام. سنة مرت وحتى اليوم لم يصدر أي نتائج رسمية أو رواية محددة للبنانيين تخبرهم ما جرى تحديداً يوم تعرضهم لهذه الكارثة.

وتتمحور معظم العقد التي تحتاج حل، حول أسئلة محددة تدور حول الجهة التي أتت بهذه الكمية الضخمة من نيترات الأمونيوم شديدة الانفجار وأبقت عليها في قلب العاصمة اللبنانية طيلة 7 سنوات؟ ومن أهمل وجودها وعلم بها وبخطورتها قبل الانفجار ولماذا لم يتحرك أحد وهل من مستفيد منها؟ إضافة إلى السؤال التقني الذي لا يزال غامضاً حتى اللحظة والمتعلق بالشرارة التي أدت إلى وقوع هذا الانفجار الهائل.

كل ما هو مؤكد بالرواية الرسمية وبحسب المراسلات، أن شحنة نيترات الأمونيوم وصلت إلى مرفأ بيروت في نوفمبر 2013 على متن الباخرة “روسوس” التي كانت في طريقها من جورجيا إلى موزمبيق، حيث تم احتجازها في مرفأ بيروت بقضية قضائية معقدة انتهت بالإبقاء على حمولة السفينة التي غرقت قبالة المرفأ عام 2018.

وكانت شحنة نيترات الأمونيوم متجهة إلى مصنع المتفجرات “فابريكا دي إكسبلوسفوس دي موزمبيق”، وفق ما قال المصنع ذاته لوكالة الصحافة الفرنسية. لكن المصنع لم يطالب بالحمولة بعد توقفها في لبنان، ما يثير أسئلة حول صحة وجهتها الأخيرة.

وتدور شكوك حول جهات استفادت من هذه المواد المخزنة وآثرت المحافظة على وجودها في مرفأ بيروت، لاستخدامها في صناعات عسكرية (متفجرات)، وأشارت تقارير أمنية وإعلامية إلى دور لعبه ثلاثة رجال أعمال سوريين يحملون أيضاً الجنسية الروسية ويخضعون لعقوبات أميركية، في صفقة شراء شحنة نيترات الأمونيوم وإيصالها إلى بيروت وتخزينها، وذلك بالتزامن مع الحرب التي كانت في أوج مراحلها في سوريا، وهو ما أثار الريبة من دور للنظام السوري، وحليفه الأبرز في لبنان، حزب الله، الذي يملك هو الآخر منظومة أمنية متغلغلة في كافة مرافق الدولة ومن بينها المرفأ، تؤمن له تحكماً وتسييراً لأي أعمال تصب في مصلحته.

حجم المادة الكيمائية التي انفجرت بلغ 552 طنا
حجم المادة الكيمائية التي انفجرت بلغ 552 طنا

هذه الشكوك دعمتها تقارير أمنية أشارت إلى نقص في كمية المواد التي انفجرت نسبة للكمية المعلن عن تخزينها، وأحدثها ما كشف عن التقرير الذي وضعه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي “أف.بي.آي” في أكتوبر 2020، والذي خلص إلى أن كمية نترات الأمونيوم التي أسفرت عن انفجار ميناء بيروت في أغسطس من العام نفسه، كانت تمثل جزءا صغيرا من الشحنة الأصلية التي تم تفريغها قبل أعوام بالميناء.

وقدر التقرير، أن حجم المادة الكيمائية التي انفجرت بلغ 552 طنا، وهو ما يمثل فقط نحو خُمس حجم الشحنة الأصلية التي وصلت، ومجموعها 2754 طنا، مضيفاً أن وجود الشحنة الأصلية بكاملها داخل المستودع وقت الانفجار “ليس منطقيا”، لكنه لم يقدم تفسيرا محددا للفارق الكبير بين الرقمين، ولم يوضح أين اختفى باقي الشحنة.

الحصانات تعرقل التحقيقات

كل ما سبق من أسئلة، ينتظر ورود أجوبتها في القرار الظني المرتقب والذي لا يزال حتى اليوم غير جاهز بسبب عدم اكتمال التحقيقات ومسار العرقلة الممنهج الذي تمارسه السلطة السياسية في تعاملها مع الملف وقضاة التحقيق فيه، وفق تقارير صادرة عن منظمات دولية آخرها منظمة العفو الدولية التي أصدرت بياناً في الذكرى السنوية للانفجار، اعتبرت فيه أن السلطات اللبنانية أمضت السنة المنصرمة وهي تعرقل “بوقاحة” بحث الضحايا عن الحقيقة والعدالة في أعقاب الانفجار الكارثي الذي وقع في مرفأ بيروت.

ورأت المنظمة ان الجهود التي بذلتها السلطات اللبنانية “بلا كلل ولا ملل طوال العام لحماية المسؤولين من الخضوع للتحقيق عرقلت على نحو متكرر سير التحقيق”. فيما اتهمت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة لين معلوف الحكومة اللبنانية بـ”التقاعس على نحو مأساوي عن حماية أرواح شعبها، تماماً مثلما قصّرت لمدة طويلة للغاية في حماية الحقوق الاجتماعية – الاقتصادية الأساسية وهي من خلال الوقوف في وجه محاولات القاضي لاستدعاء المسؤولين السياسيين، وجهت صفعة أخرى إلى الشعب اللبناني. ونظرا لحجم هذه المأساة، فمن المذهل أن نرى المدى الذي تستعد السلطات اللبنانية أن تذهب إليه لحماية نفسها من التحقيق”.

السلطات اللبنانية أمضت السنة المنصرمة وهي تعرقل "بوقاحة" بحث الضحايا عن الحقيقة والعدالة
السلطات اللبنانية أمضت السنة المنصرمة وهي تعرقل “بوقاحة” بحث الضحايا عن الحقيقة والعدالة

من جهتها اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، الثلاثاء، السلطات اللبنانية بالإهمال “جنائيا” وانتهاك الحق بالحياة والتقصير في متابعة قضية شحنة نيترات الأمونيوم التي أدت إلى وقوع الانفجار قبل عام، فيما قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات اللبنانية أمضت السنة الماضية وهي تعرقل بحث الضحايا عن الحقيقة والعدالة في أعقاب الانفجار.

ووثقت “هيومن رايتس” في تقرير مفصل من 126 صفحة الأخطاء والاغفالات التي ارتكبها موظفون ومسؤولون سياسيون وأمنيون في طريقة إدارتهم لشحنة نيترات الأمونيوم منذ وصولها إلى المرفأ وحتى وقوع الانفجار. وأوصت بفرض عقوبات على المسؤولين وبإجراء الأمم المتحدة تحقيقا مستقلا في الكارثة.

وتعود أسباب التأخير في صدور القرار الاتهامي عن المحقق العدلي، إلى عدم اختتام التحقيقات، وأسباب هذا امر واضحة للعامة والمتابعين للملف، وهي عدم استكمال التحقيق عاموديا وأفقيا، بحسب ما يشرح وكيل نقابة المحامين وأكثر من ألف ضحية في الانفجار، المحامي يوسف لحود في تصريحه لموقع “الحرة”.

ويتابع لحود “أفقيا أي داخل وخارج لبنان ومع كل من تدخل في هذا الجرم أو شارك فيه وصولا إلى التفجير مروراً بكل الجرائم التي أوصلت إليه. أما عامودياً فهو ما يتعلق بتوقف التحقيق عند حصانات معينة وأذونات حولها اختلاف بالآراء ونقاش قانوني وتبادل مذكرات وقرارات قضائية، وهو ما بات يمثل عرقلة للتحقيق تنتجه جهات معينة ومعروفة في البلاد تريد حرفه عن مساره الصحيح”.

السياسة تتدخل.. وتتراجع

هذه العرقلة لم تظهر بحسب لحود إلا عندما تخطى التحقيق المدراء العامين ووصل إلى وزراء ونواب ورؤساء الأجهزة الأمنية، عندئذ بدأ التأخير والمماطلة.

ويشير لحود انه على الرغم من هذه المحاولات فإن الضحايا، ونقابة المحامين المدعية، لا تقبل أن تذهب إلى المجلس العدلي للمحاكمة بنصف الحقيقة أو بنصف المتهمين والذين كان لهم أدوار في تحقيق هذه الجرائم المتتابعة من إدخال السفينة التي تحمل الشحنة، وصولا إلى يوم الانفجار.

أما المطلوب في المرحلة المقبلة كي تتحقق العدالة، بحسب لحود، هو رفع كل الحصانات وإعطاء الأذونات دون أي عرقلة ليتمكن قاضي التحقيق من التحقيق مع الجميع من دون استثناء فيتهم من هو متورط وتمنع المحاكمة عن الأبرياء.

 تضرر 73 ألف شقة سكنية في بيروت
تضرر 73 ألف شقة سكنية في بيروت

وتجلت واحدة من أبرز مظاهر التدخل السياسي في مسار التحقيقات، في عزل المحقق العدلي السابق في القضية القاضي فادي صوان عن الملف في شهر فبراير، بعدما وجه اتهامات إلى وزراء ونواب بالتقصير والإهمال، وذلك عبر موافقة محكمة التمييز الجزائية في لبنان على طلب ابعاد تقدم به الوزراء الذين اتهمهم، حيث استند القرار إلى شك بحيادية القاضي لكون منزله قد تضرر بالانفجار، ما قد يؤدي إلى انحيازه في التحقيقات، وهو السبب الذي اعتبر غريباً ومستهجناً قبول المحكمة به، في ظل تضرر المدينة بأكملها بنتيجة الانفجار، وهو ما دفع منظمات حقوقية عدة إلى انتقاد خطوة كف يد المحقق واعتبارها ضغوطاً سياسية واضحة ورضوخ قضائي لها.

عين القاضي طارق بيطار خلفا لصوان وما لبث أن أعاد توجيه أصابع الاتهام بالاتجاه نفسه، وجرى رفضه في حينها لأسباب تتعلق بمخالفة الأصول القانونية للاستدعاء والمثول، وهو ما يتفاداه بيطار، حيث يصر على السماح له من قبل الحكومة ومجلس النواب باستجواب عدد من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين حيث يتوقف مصير التحقيق على قرار رفع الحصانات البرلمانية ومنح الاذونات.

ورد وزير الداخلية محمد فهمي طلب القاضي طارق بيطار باستجواب مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، بالرفض، الأمر الذي أثار موجة احتجاج غاضبة في البلاد قادها أهالي شهداء المرفأ الذين حاصروا منزل وزير الداخلية واشتبكوا مع القوى الأمنية التي قامت بقمعهم وابعادهم عن المكان، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى.

تضررت 163 مدرسة ومنشأة تعليمية، إضافة إلى 106 منشأة صحية، بينها 6 مستشفيات
تضررت 163 مدرسة ومنشأة تعليمية، إضافة إلى 106 منشأة صحية، بينها 6 مستشفيات

كذلك تقدم عدد من النواب اللبنانيين والكتل النيابية بعريضة تطالب ملاحقة النواب الثلاثة المطلوبين للتحقيق في قضية المرفأ، أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (وهو مجلس غير موجود إلا في القانون حتى الآن)، وليس أمام القضاء العدلي.

ونجحت الاتصالات في تأمين 26 توقيعاً تحتاجها العريضة للتصويت عليها حيث وقّع عليها نواب من كتل حركة أمل وحزب الله وتيار المستقبل وتيار المردة بالإضافة إلى بعض النواب المستقلين، ولكن سرعان ما جرى التراجع عنها بعد موجة غضب كبيرة أثارتها لدى الرأي العام اللبناني وما لبثت ان توالت التصريحات التي تبدي تجاوباً مع التحقيق واستعداداً لرفع الحصانات، دون صدور أي قرار ملموس، لتحديد دقيق للكيفية التي سيتم بها الأمر.

وقال الرئيس اللبناني ميشال عون إنه مستعد للإدلاء بإفادته في انفجار مرفأ بيروت الذي وقع العام الماضي، إذا طلبت السلطات الاستماع إليه، من جهته، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، إن البرلمان مستعد لرفع الحصانة عن أعضائه للسماح باستجوابهم، لكنه لم يذكر تفاصيل عن التوقيت أو الكيفية التي سيتم بها الأمر.

أول تقرير رسمي: إهمال وفشل كبير

وقبل نحو شهر من اليوم، أصدرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب تقريراً هو الأول الصادر عن جهة رسمية لبنانية، قالت فيه إن “الوقائع والمعلومات التي جمعتها حول انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من أغسطس من العام 2020 وطريقة الاستجابة لتداعياته أثبتت إهمالا وفشلا كبيرا في حماية حقوق الجميع بدون تمييز، بما في ذلك الحق في الحياة والصحة والسكن والغذاء والماء والتعليم والحق في بيئة صحية سليمة”

وأضاف التقرير أن الحكومة اللبنانية أخلت بواجبها في الرعاية وحق الحياة لمواطنيها عندما تركت مادة خطيرة في مرفأ بيروت، في وسط العاصمة، لأكثر من 6 سنوات. ولم تتخذ الإجراء المناسب للتخفيف من المخاطر ولم تتخذ القرارات الصحيحة لحماية مواطنيها”. كما أوضح أن “الوزارات والإدارات المعنية بالإسعاف والإغاثة لم تضع استراتيجية مشتركة، أو أي خطة عمل لتلبية حاجات السكان فيما بعد وقوع الكارثة”.

ولفت التقرير إلى توزيع المساعدات على المتضررين من الانفجار بشكل غير عادل، مؤكدا أن المساعدات الطارئة سُلمت عدة مرات إلى الأشخاص أنفسهم أو إلى أشخاص ليسوا في حاجة إليها، مضيفاً أن “العمال الأجانب عانوا من التمييز عندما تعلق الأمر بالحصول على المساعدات الإنسانية، كما رفضت بعض المنظمات غير الحكومية تقديم المساعدة للاجئين بحجة حصولهم على المساعدة من منظمات دولية”.

توزيع المساعدات على المتضررين من الانفجار بشكل غير عادل
توزيع المساعدات على المتضررين من الانفجار بشكل غير عادل

وحول موضوع رفع الحصانات شددت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان على ضرورة تتبع مسار شحنة مادة النترات منذ خروجها من البلد المصدر حتى وصولها إلى مرفأ بيروت، نظرا لاحتمال تورط مجموعات إجرامية منظمة في ارتكاب جريمة عابرة للحدود الوطنية ومشمولة بالاتفاقيات الدولية، على أن مرور الوقت، والسرية المصرفية، والحصانات، لا تؤخذ في الاعتبار عند ارتكاب جرائم مماثلة.  أما في حال عدم ثبوت وقوع جريمة منظمة فإن الهيئة تشدد على ضرورة اتباع الأطر الدستورية والقانونية وضمان الشفافية والاستقلالية للسلطة القضائية بعيدا عن أي تدخلات.

ماذا عن إعادة الإعمار؟

ولأن الأزمة اللبنانية باتت مرسخة في بنية الدولة وتنعكس على كافة أدوارها، فإن الإهمال نفسه والفشل ذاته الذي رصد قبل الانفجار وبعده وخلال التحقيقات، ينطبق على ملف إعادة إعمار ما دمره الانفجار.

حيث يؤكد رئيس نقابة المقاولين مارون الحلو أن الدولة اللبنانية “لم تتخذ بعد أي قرار بخصوص المرفأ، للأسف، ومن غير المعروف إن كانت ستعيد ترميمه كما كان في السابق، او تتجه لإجراء تعديل على برامجه وهويته ومساحته، كذلك لم تتخذ قرارا فيما يتعلق بمصير الإهراءات التي تشكل جزءاً مهماً مما استهدف في الانفجار.

وفي اتصال مع موقع “الحرة” يشير الحلو إلى أنه بعد عام على الانفجار تم إصلاح 50% من المنازل المتضررة وذلك بفضل المؤسسات غير الحكومية، وصحيح أنه النصف فقط لكن بالنظر إلى الأوضاع والإمكانات فإن الرقم مقبول واعتبره مرتفع إلا أن هذا الرقم يعني أن 50% من المهجرين من منازلهم لا يزالون مشردين خارجها بعد عام كامل، خاصة بالنسبة إلى الأبراج والبنايات العالية التي تنتظر دفع شركات التأمين للتعويضات، إضافة إلى قسم آخر من الأبنية المتواضعة غير المؤمنة، التي لا يزال أكثر من نصفها غير مرمم.

ويقول الحلو “الدولة عاجزة كليا ومتخلية عن مسؤولياتها بكل معنى الكلمة، كل ما وصل وجرى استخدامه في عمليات الترميم مصدره مغتربين لبنانيين وعبر مساعدات من الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة، وبعض دول الخليج، وبلغ حجم هذه المساعدات للمنظمات غير الحكومية نحو 50 مليون دولار، ولولا هذه المساعدات لما كان وصل الترميم إلى نسبة 20 %، ولكن هذا غير كاف، خاصة مع المقارنة بحجم الأضرار الذي قدر بنحو 4 مليار دولار.”

ما لم يتم ترميمه بعد هو المباني التراثية
ما لم يتم ترميمه بعد هو المباني التراثية

وبحسب الحلو ما لم يتم ترميمه بعد هو المباني التراثية، وتقدّر بحوالي 300 مسكن متضرر حيث ما أنجز لا يتجاوز نسبة الـ 10%. الى جانب ذلك، هناك حوالي 100 مبنى تم هدمها كلياً بعدما استحال ترميمها. أما بالنسبة الى وضع المستشفيات فقد عادت الى العمل بشكل طبيعي بعدما تم إصلاحها كاملة. كذلك انتهت الاصلاحات اللازمة لدور العبادة المتضررة.

معركة كسر عظم

وأعلنت لجنة عوائل شهداء تفجير مرفأ بيروت عن برنامج التحرّكات إحياءً للذكرى السنوية الأولى لانفجار 4 آب، في مؤتمر صحفي أطلقت عبره ما أسمته “معركة كسر عظم” إلى أن تتحقق العدالة ويحاسب المسؤولين.

وأشار ويليام نون شقيق الضحية جو نون إلى أن “الأهالي سيقومون بمسيرة للمطالبة بالعدالة ولتأكيد الثقة بالقضاء والقاضي بيطار”، متمنياً “ان يكون يوم 4 آب يوماً شعبياً مطلبياً كبيراً بحجم الجريمة التي حصلت”.

وأضاف نون في حديثه مع “الحرة” أن عوائل الشهداء يتوقعون حشدا شعبياً ودعماً كبيراً اليوم، وزن لا يقتصر الاحتجاج على عوائل الشهداء والجرحى، فكل اللبنانيين متضررين من الانفجار بأشكال مختلفة، مشيرا إلى ان التحضيرات لهذا اليوم بدأت منذ أكثر من شهر، وهناك تحضيرات لنقل المتظاهرين إلى الساحات، وهناك شباب مفروزين للتنظيم، إضافة إلى المجسمات والصور والأعلام، في حين ستصب كل الجهود في سبيل دعم القاضي طارق بيطار، والتعبير عن اصرارنا على العدالة بأي ثمن كان، ضد كل الطبقة السياسية التي اوصلتنا إلى الانفجار بإهمالها، وستكون رسالة قوية للسياسيين بأن الثقل الشعبي يريد العدالة وان شعبيتهم بانخفاض وتراجع.

تحرّكات إحياءً للذكرى السنوية الأولى لانفجار 4 آب
تحرّكات إحياءً للذكرى السنوية الأولى لانفجار 4 آب

هذا بالنسبة لساعات النهار، ولكن الليل لن يكون أقل صخباً، بحسب نون، خاصة أمام مجلس النواب ومنازل السياسيين والمتهمين، حيث يكشف لـ “الحرة” أن عوائل الشهداء والضحايا أجروا بحثا ودراسات وجمعوا معلومات عن كل أملاك السياسيين وأولادهم وتحركاتهم والأماكن التي يرتادونها، حيث سيتم التوجه إليها لمحاصرتها ومطالبتهم بتحقيق العدالة.

ويعطي نون علامة صفر للأداء الرسمي منذ سنة حتى اليوم، مضيفاً “منذ اليوم الاول لم يكن هناك إدارة للكارثة ولا لمرحلة ما بعدها، ولم يكن يصلنا أي تفاصيل عن الشهداء والجرحى وأماكن تواجدهم في المستشفيات، كل ما كان يصلنا عبر معلومات من مصادر أمنية ومعارف ساعدونا بمعزل عن الدولة. لم يصلنا من الدولة وسلطاتها إلا محاولات التفاف وتعمية على الحقيقة وعدم رفع الحصانات وعرقلة العدالة لأن السلطة السياسية بمجملها تريد لفلفة القضية التي إن تحققت العدالة فيها ستطالهم جميعاً.

يتوقف نون في الذكرى السنوية عند رفض رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون مقابلة أهالي الشهداء، “كذلك بالنسبة لرئيس الحكومة حسان دياب الذي رفض مقابلتنا لأنه متهم بمعرفته بوجود النيترات قبل أن تنفجر من خلال تقرير أمني وصله بشكل مباشر، ومع ذلك لم يتحرك. يلخص هذا الأمر طريقة التعاطي الرسمي للدولة اللبنانية معنا ومع القضية بمجملها.”

وختم نون لافتا إلى أنه ما بعد 4 أغسطس، “سيكون هدفنا منازل كل شخص متورط أو متهم بالقضية أو معرقل لسير العدالة وانتهت أيام التظاهرات والبيانات، من بعد 4 أغسطس سيكونون أهدافا مشروعة لنا أينما وجدوا هم ومصالحهم ومنازلهم وأولادهم. وستتكرر تجربة منزل وزير الداخلية أمام كل منزل سياسي أو مسؤول أمني”.




الحرة