الثأر والاقتلاع! – رامي الرّيس – نداء الوطن

تزامن الانفلات الأمني مع الانهيار الإقتصادي والاجتماعي ينذر بعواقب خطيرة يؤكدها غياب المرجعيّات المؤسساتيّة عبر شل التأليف الحكومي من خلال استيلاد العقبات تلو العقبات. ما جرى في خلده مرشح للتكرار في أكثر من منطقة لبنانيّة يشبه تكوينها الاجتماعي والسكاني نسيج خلده، ومعظم المناطق اللبنانيّة تتمتّع بهذه الخاصيّة التي يتغاضى عنها منظرو الفدراليّة الجديدة التي لا تتلاءم بشيء مع تركيبة لبنان ولا تقدّم الحلول لمشاكله المتراكمة على مختلف المستويات.

لا يمكن أن تكون العدالة إنتقائيّة تُطبّق في منطقة ولا تُطبّق في منطقة أخرى، أو تسري على جماعة من دون أن تسري على جماعة أخرى. الدولة، رغم ضعفها وهشاشتها، هي الملاذ الآمن لكل الفئات عند وقوع أي إشكال أو جريمة، والركون إلى أجهزتها الرسميّة المختصة هو الطريق الأسرع والأقصر لتطويق ذيول أي مشكلة.




ليس الثأر هو الحل لأنه يكرّس شريعة الغاب ويجعلها قائمة في مجتمعنا (وهي لا تزال كذلك في بعض المناطق للأسف)، وليس حتماً إقتلاع الناس من بيوتها هو الحل الأمثل رداً على الثأر.

بوضوح تام، قيام الدولة والأجهزة القضائيّة والرسميّة بواجباتها هو الخيار الأمثل تلافياً لحلول الثأر والاقتلاع. كما أن رفع الغطاء السياسي عن أي متورطين في الجرائم والارتكابات هو الخيار الأسلم لتلافي الوقوع في ردود أفعال من شأنها أن تفاقم المشاكل وتعمّقها بشكل كبير قد يخرج عن السيطرة.

أساساً، لماذا يسعى أي طرف سياسي لتغطية متورط في جريمة أو في حادث أمني خارج عن القانون؟ ولماذا على الأجهزة الرسميّة أن تخضع لنفوذ هذه الأطراف أو تلك وتصرف النظر عن إقتحام ومداهمة أماكن تواجد المتهمين وسوقهم إلى العدالة؟ لماذا تتذكر بعض الأطراف الدولة والأجهزة الرسميّة عندما تريدها القيام بما لا يسعها القيام به لأنه قد يؤدي إلى إصطدام مع جمهورها وهي لا تريد ذلك؟

معركة سيادة القانون في لبنان طويلة وطويلة جداً. ومعركة إستعادة الدولة لدورها محفوفة بالمصاعب ولن يُكتب لها النجاح طالما أن القيمين على السلطة لا هم لهم سوى الحصص والمناصب والمكاسب الوزاريّة رغم الانهيار والسقوط الذي يعيشه يوميّاً المجتمع اللبناني. معركة إستعادة الديموقراطيّة ليست بدورها معركة سهلة في التشوهات البنيويّة التي كرّستها أطراف وجهات سياسيّة معيّنة من خلال ممارساتها وأعرافها التي لا تمت إلى الدستور والأصول بصلة، إنما تعكس حصراً مصالحها الفئويّة الخاصة.

من الممكن أن تتحوّل حادثة خلده إلى “ملف مقفل”، ومن الممكن أن تتحوّل كذلك إلى “بروفه” متنقلة بين المناطق والأحياء والشوارع. هنا تكمن الخطورة البالغة. مزيجٌ من الفقر والجوع والعوز يوازيه إجرام وإنتماء أعمى واستفزاز قلما يكترث إلى القواعد الدقيقة التي يقوم عليها المجتمع اللبناني وهي أساساً قواعد هشة تنهشها الطائفيّة والمذهبيّة.

في غضون ساعاتٍ قليلة، من الممكن أن تسقط الشعارات التقليديّة التي تتحدّث عن الاستقرار والسلم الأهلي والعيش المشترك عند تنظيم الجنازات ودفن القتلى. أثمان باهظة تُدفع بدون سبب وبدون مبرر. أرواح تُزهق من أجل خلافاتٍ لا طائل منها. كلما سقطت أرواحٌ، كلما تعمقت المشاكل وتوسعت الهوّة بين الفئات المتخاصمة.

المهم أن تستخلص الجهات المعنيّة بحادثة خلده العبر والدروس وتعود للقاعدة الذهبيّة التي تحكم هذا البلد الصغير: “لا أحد يستطيع أن يلغي أحداً”. كل ما هو دون هذا السقف هو عبثٌ بالأمن والاستقرار وبما تبقى من هذا البلد الذي ينازع كل يوم فيما بعض قادته يبحثون الحصص الوزاريّة والحقائب “السياديّة”!

أي سيادة هذه؟