تونس: والآن ماذا عسانا نفعل؟! – محمد كريشان – القدس العربي

ها أن بعض التململ بدأ يدب رويدا رويدا في تونس ليحلّ مكان الفرحة العارمة التي استقبلت بها قطاعات واسعة ما قام به يوم 25 من الشهر الماضي الرئيس قيس سعيد، أو محل الصدمة والتحفظ لدى قطاعات أخرى أبرزها القوى السياسية والاجتماعية التي دعت إلى الانتهاء سريعا من «التدابير الاستثنائية» المعلنة.

هذا التململ الذي لم يتحوّل بعد إلى مزاج شعبي عام يعود في معظمه إلى ما بدأ يستقر من انطباع بأن الرئيس سعيّد، وقد فعل ما فعل، يبدو مُشوّشا وكأنه لا يعرف بالضبط ماذا يفعل بعد ذلك. السبب في هذا (إذا ما أحسنا الظن) أنه ربما يفضل التريّث لتكون خطواته مدروسة، أو لعله بكل بساطة لا يملك أي تصور جاهز للمرحلة المقبلة، أما (إذا أسأنا الظن) فالسبب يعود إلى أنه قد لا يكون هو صاحب القرار في تحديد الخطوات المقبلة التي تتحكم فيها هي أطراف أخرى داخلية أوخارجية.




الرئيس سعيّد، وإذا ما تركنا ما يحظى به من تأييد شعبي كبير إلى حد الآن على الأقل، يبدو حاليا وحيدا في المشهد بلا سند سياسي حقيقي من قوى فاعلة في المجتمع فضلا عن أنه محاط بفريق لا يُعتد بكفاءته وخبرته حتى وإن حاول الالتحاق به الآن بعض الانتهازيين القدامى أوالجدد.

التململ يعود كذلك إلى حسابات كل طرف وما يريده من الرئيس سعيّد فمن وقف معه بقوة منذ اللحظة الأولى، غير عابئ بالاعتبارات القانونية، كان يحثه على «طرق الحديد وهو ساخن» متمنين عليه ربما أن يقدم على حل بعض الأحزاب والجمعيات أو حتى رمي قادتها في السجون، وفي مقدمتهم طبعا حركة «النهضة» والدائرين في فلكها. «الطريف» هنا أن كثيرا من المؤيدين لسعيّد كانوا من معارضيه، بل وحتى من المتهكّمين عليه، لكنه «فقه النكاية» كما كان يسميه الدكتور سعد الدين ابراهيم.

ومع أن الرئيس لم يفعل، بل هو على العكس من ذلك نراه يؤكد باستمرار حرصه على الحريات، إلا أن ذلك لم يمنع آخرين من التململ هم أيضا لأسباب مغايرة تماما. هؤلاء وإن لم يدينوا ما قام به سعيّد ولم يصفوه بالانقلاب إلا أنهم تمنّوا عليه العودة السريعة للالتزام بالدستور حتى لا يمتد شهر «التدابير الاستثنائية» إلى ما أبعد من ذلك، لكن الرئيس لم يقدم ضمانات وظل طوال الأيام الماضية يخوض في قضايا لا علاقة لها بما يريدونه منه.

في مقدمة هذه الأطراف «الاتحاد العام التونسي للشغل» وكل منظمات المجتمع المدني تقريبا وكذلك شخصيات سياسية معروفة، إلى جانب بعض الأحزاب التي كانت مؤيدة سابقا للرئيس لكنها شرعت مؤخرا نسبيا في «فك ارتباطها» به والتنديد بما عرفته الأيام الماضية من ملاحقات أواعتقالات لم تراع الكثير من الأصول القانونية ومعايير حقوق الانسان.

أما الذين أدانوا بوضوح خطوة الرئيس منذ اللحظة الأولى فهم لم يروا في الأسبوع الذي مضى، وكذلك ماهو مقبل، إلا تأكيدا على ما كرروه أكثر من مرة من أن الرجل غامض ولا يُمكن التنبؤ بأفعاله، حتى إن الدكتورة سناء بن عاشور الفقيهة الدستورية البارزة والمناضلة ضد الدكتاتورية في العهد السابق لم تتردد في اتهام الرئيس بـ«التدجيل على الشعب» مؤكدة أنها «خائفة من المجهول الخطير الذي ينتظرنا».

هذا المشهد الثلاثي المتململ زاده توترا حالة استقطاب تزداد حدة في المجتمع من أسوأ تجلياتها اعتبار كل متحفظ أو معارض لما قام به الرئيس التونسي مواليا لحركة «النهضة» وسياساتها، أو في أحسن الحالات راضيا عما كان سائدا من وضع عام كارثي في البلاد بسببها.. مع أن معارضة خطوة سعيّد لا يمكن أن تعني بالضرورة ذلك، مثلما أن إدانة ما كان قائما لا يمكن أن يقود حتما إلى التهليل لما قام به. من الظلم حشر الكثيرين في معادلة قاسية ومتعسفة من هذا القبيل، مع أن «ضحايا» هذا المنطق، وأنا من بينهم بالمناسبة، يعارضون «النهضة» وخطاياها المختلفة لكن ذلك لن يقودهم إلى تأييد انتهاك القانون وتبني المجهول وتغذية مشروع ديكتاتورية جديدة.

هذا الاستقطاب وما صاحبه من أجواء كراهية دفعت المناضل اليساري المعروف محمد الكيلاني مثلا أن يندد بما يتعرض له المعارضون لسعيّد من ترهيب فوصف ذلك، في تدوينة على «فيسبوك» بأنها «دعوات تريد تلجيم الأفواه المعارضة وإسكاتها. إنها تريد أن يبقى رأي واحد في البلاد، كما شهدناه في حقب سابقة (..) أسفي على أن أعلاما فكرية انخرطت في هذه الحملة ودعت زملاء لها أن تسكت، والأخطر أن مناضلين قضوا ما يزيد عن نصف قرن في النضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي ولم يقبلوا السكوت عن أي انتهاك، يتعرّضون اليوم إلى محاولة الإسكات.

«الدنيا غريبة» ومن طرف من؟! من طرف أبناء الشعب وليس النظام البورقيبي ولا النوفمبري. ألا تعتقدون أننا دخلنا منطقة عبثية من التفكير والفعل والوجود؟».

فعلا يا سي الكيلاني…