قصة سرايا المقاومة التي تُغضب اللبنانيين جميعاً… رواتب ضخمة ولماذا تعتمد على مقاتلين غير شيعة؟

جاءت الاشتباكات التي وقعت في منطقة خلدة جنوب بيروت بين أعضاء بحزب الله وأفراد منتمين لعشائر عربية، لتلقي الضوء على تنظيم تابع لـ”حزب الله” به كثير من الأعضاء السُّنة، ويحظى بقدر كبير من الكراهية في معظم الأوساط اللبنانية، وهو ميليشيات سرايا المقاومة اللبنانية.

وأسفرت الاشتباكات بين عناصر “حزب الله” وأفراد من عرب خلدة، الأحد 1 أغسطس/آب 2021، والتي جرت بالأسلحة المتوسطة والخفيفة، خلال تشييع أحد مسؤولي الميليشيا، عن 6 قتلى، بينهم مسؤولون في الحزب.




وكان القتيل الذي هوجمت جنازته هو القيادي في سرايا المقاومة التابعة لـ”حزب الله” علي شبلي، الذي قُتل في حفل زفاف كان يحضره، وقاتله هو أحمد غصن، شقيق الطفل حسن غصن (14 عاماً)، اتُّهم شبلي بقتله قبل عام.

وبعد يوم من اغتياله، حدث تبادل لإطلاق نار بين أعضاء بـ”حزب الله” وأفراد من عرب خلدة، أدى إلى حصار الجنازة الذي انتهى بتدخُّل القوى الأمنية.

وقال بيان لتجمُّع ما يُعرف بـ”عرب خلدة”، إن القاتل أخذ بثأر أخيه، لأن السلطات لم تقم بمحاكمة شبلي، وهذا العمل من أعراف البدو.

وكانت حادثة اغتيال الطفل حسن غصن قد وقعت بسبب خلاف وقع إثر رفع شبلي لافتة اعتُبرت طائفية شيعية في منطقة ذات أغلبية سنية، فقام أفراد من عرب خلدة بنزعها؛ مما أدى إلى التطورات التي انتهت باغتيال الطفل حسن غصن، وتقول عائلته إن السلطات لم تتخذ الإجراءات القانونية بحق شبلي المتهم في القضية، فيما اتهم “حزب الله” السلطات بعدم حماية جنازة الأخير رغم توتر الأجواء.

ونقل موقع لبنان 24 عن مصادر مطلعة على أجواء “حزب الله”، قولها إن “مجموعات عسكرية نخبوية تابعة لـ(قوات الرضوان) التابعة لحزب الله، وصلت إلى خلدة بعد الكمين، حيث أبلغ الحزب الأجهزة الرسمية اللبنانية بضرورة فك الحصار عن المشاركين في التشييع والا فسيضطر هو لفكِّه”.

وتمكَّن الجيش اللبناني من فرض الهدوء في منطقة خلدة التي تقع جنوبي العاصمة اللبنانية بيروت، وهي مدينة تكتسب أهمية خاصة، باعتبار أنه يمر بها الطريق الذي يربط بيروت بالجنوب اللبناني، كما أنها تقع على خط التماس بين الطوائف السنية والدرزية والشيعية.

وشبلي قيادي في كتائب سرايا المقاومة المثيرة للجدل، التي أسسها “حزب الله” في ذروة مقاومته ضد إسرائيل، كتنظيم غير طائفي يسمح بانضمام غير الشيعة إلى المقاومة المسلحة ضد إسرائيل.

بدا عنوان وفكرة التنظيم عند النشأة جذاباً في وقت كانت مقاومة “حزب الله” تحظى بتأييد كثير من اللبنانيين، خاصةً أن الحزب لم يتورط كثيراً في الممارسات الطائفية التي جرت خلال الحرب الأهلية عكس معظم الفصائل اللبنانية الأخرى.

تاريخ سرايا المقاومة اللبنانية المثيرة للجدل

وُلدت فكرة تشكيل “السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي” -بحسب مصادر مطلعة- لدى حسن نصر الله، الأمين العام لـ”حزب الله”، في أثناء تقديم شبان مسيحيين تعازيهم بنجله هادي في سبتمبر/أيلول 1997 والذي كان قد استُشهد خلال الحرب مع إسرائيل، حيث أعرب هؤلاء عن استعدادهم لأن يكونوا في صفوف الحزب.

وفي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 1997، أعلن نصر الله عن تشكيل سرايا المقاومة، حيث يكون “لكل لبناني -مهما كانت هويته السياسية أو الطائفية، أو إمكاناته المادية والعلمية- القدرة على المشاركة في دعم المقاومة، بشرط أن يكون المنتسب قادراً على المستوى العقلي والنفسي والجسدي على المشاركة الميدانية في القتال، وألا تكون حوله أي شبهة أو علاقة أو ارتباط مع العدو الإسرائيلي. كما أن على الشباب الحزبي أخذ موافقة خطية أو شفهية من قيادته”.

وأكد نصر الله حينها أن هذا التشكيل سيبقى منفصلاً عن جهاز الحزب “الجاهز لتقديم كل دعم بغية قيام السرايا بأعمال عسكرية وأمنية في المناطق اللبنانية المحتلة”.

ويقول أحد مسؤولي الحزب إنهم أرادوا من خلال تطوير سرايا المقاومة إنشاء إطار مرن لكل من يريد المشاركة في المقاومة من دون الالتزام بالضوابط التفصيلية التي يلتزم بها مقاتلو الحزب، لأن لدى الأخير “ضوابط مذهبية ودينية”، أما عنصر “سرايا المقاومة” فله الحرية المطلقة، من الناحيتين الاجتماعية والدينية، حسبما ورد في تقرير لموقع “الجزيرة.نت“.

ولكن سرعان ما اجتذبت ميليشيات سرايا المقاومة انتقادات وعداء كثيرين في لبنان، وضمنهم سُنة مؤيدون لـ”حزب الله” من القوى الناصرية وغيرهم.

أماكن انتشارها تحقق هدفاً استراتيجيا للحزب

بعد حرب يوليو/تموز 2006 وخروج “حزب الله” منها منتصرا معنوياً، تغيرت نظرة الحزب إلى سرايا المقاومة، وقرر التوسع فيها؛ لما تتمتع به من سرية على المستويين الشعبي والسياسي بحيث تغطي المناطق غير الشيعية التي لا تشهد وجوداً فعلياً للحزب، سواء بالمدن أو القرى والمناطق الحدودية بطول لبنان وعرضها.

ورغم أنه يُفترض أن السرايا تضم مجموعات من كل الطوائف اللبنانية، فإنه يلاحَظ أن الحضور الأساسي لها في المناطق ذات الأغلبية السنية، خاصةً تلك المناطق السُّنية القريبة من المناطق الشيعية مثل مدينة صيدا، ومنطقة العرقوب بجنوب شرقي البلاد التي تتبعها مزارع شبعا، إضافة إلى المناطق الدرزية أيضاً.

فالسرايا موجودة في صيدا حيث الأغلبية السُّنية بالجنوب وحيث الممر الحيوي للحزب إلى جنوب لبنان لمواجهة إسرائيل، وكذلك توجد “سرايا المقاومة” في طرابلس حيث الأغلبية السنية بالشمال، حسب تقرير لصحيفة “الأهرام” المصرية.

وفي صيدا ساهمت “سرايا المقاومة” في القضاء على ظاهرة الشيخ السلفي المتشدد أحمد الأسير وصديقه المطرب المعتزل فضل شاكر، فيما يُعرف بأحداث عبرا في 2013 حيث واجه الجيش اللبناني، وبمساعدة السرايا، مناصري “الأسير” الذي هرب هو وفضل شاكر.

كما يُعتقد أن عناصر من الطائفة المسيحية انضمت إليها في رأس بعلبك والقاع ودير الأحمر، وهي مناطق مسيحية تقع في البقاع حيث توجد أغلبية شيعية، وحدث تقارب فيها بين المسيحيين و”حزب الله” سواء بسبب تحالف العماد ميشال عون مع “حزب الله” وبالأكثر بسبب خوف المسيحيين من “داعش” و”النصرة”، خاصة مع تقديم “حزب الله” نفسَه كحامٍ للبنان من التنظيمين المتطرفين، وفي إطار ما يروجه الحزب وحلفاؤه المسيحيون عن حلف الأقليات في لبنان وسوريا.

الكل ينظر إليها بريبة

رغم كل محاولات “حزب الله” لتوسيع سرايا المقاومة وتمكينها، فإنها لم تحظَ طوال سنوات بما يمكن وصفه بـ”الشرعية” الاجتماعية والسياسية.

فأوساط السُّنّة ينظرون إليها كمجموعة مسلحة دخيلة على بيئتهم، تهدف إلى العبث بأمنهم عندما تحين ضرورات مشروع صانعها.

و”حزب الله”، على الطرف الشيعي، يعلم أن عنوانَي المقاومة ومحاربة التكفيريين لا يصلحان غطاءً لسلاح هذه الميليشيات، بل إنَّ طرح شرعنته تحت أيٍّ منهما يشكل عبئاً على مشروعية السلاح الأصلي سلاح حزب الله، حسب تقرير لموقع المدن.

ويشير موقع حزب “القوات اللبنانية” المعروفِ بعدائه لحزب الله إلى أن “سرايا المقاومة” لم تخُض أي حرب مع عدو خارجي، ولم تقم بعمل واحد يُعطيها شرعية البقاء.

ويقول الموقع إنه منذ عام 2000، لم يعد ينضوي تحت لوائها أي من العناصر الذين يحملون أفكاراً مُقاومة والذين عملوا فترةً تحت شعارها قبل أن يرحلوا عنها بعدما اكتشفوا أنهم ليسوا سوى مجرد أرقام على هامش العمل العسكري، ويخضعون باستمرار لاختبار لمدى تقبُّلهم لمنظومة “ولاية الفقيه” التي تبعد مسافة عن الأفكار والمعتقدات التي كانوا يحملونها داخل أحزابهم الوطنية والعلمانية والاشتراكية، في إشارة إلى أن بعض المنضمين إلى “سرايا المقاومة” في البداية كانوا من اليساريين.

وفي هذا الإطار، يلفت تقرير “المدن” إلى أن “حزب الله” يخجل عادة من إصدار بيانات يتبنى فيها ممارسات السرايا الميليشياوية.

ولكن أحياناً يضطر إلى أن يؤكد دورها ويشيد بها، وهو ما ظهر في حادثة خلدة بشكل فج، وقد يكون ذلك لأن القتيل شيعي.

واللافت أنه رغم الاحتقان الطائفي بلبنان والغضب من “حزب الله” في أوساط كثير من السُّنة والمسيحيين والدروز، فإن الحزب نادراً ما يورط نفسه في إشكالات ميدانية.

جزء من ذلك تركيز وجود الحزب الظاهر في المناطق الشيعية، واتسام سلوكه بالانضباط النسبي مقارنة بكل الفصائل اللبنانية الأخرى، ونجاحه في إقامة علاقة تعايش في المناطق الحساسة أو توجيه القوى الأمنية أو الشارع الشيعي لتنفيذ ما يريد.

على العكس فإن “سرايا المقاومة” توجد بالأغلب في مناطق مختلطة، وهي تقوم بدور ميليشياوي أكثر من أي دور عسكري مقاوِم للحزب، كما أنها لا تتسم بالانضباط؛ بل العكس تذكّر اللبنانيين بممارسات مقاتلي ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية.

 طبيعة العلاقة مع “حزب الله” وقدراتها العسكرية

 يقدَّر عدد أعضاء “سرايا المقاومة اللبنانية” بنحو 50 ألفاً، حسبما نقل موقع حزب “القوات اللبنانية” عن مسؤول بها.

ويُحاط قائد “سرايا المقاومة” بسرية تامة، ولا أحد يعرف اسمه، وهو معروف فقط باسم الحاج، ويقود عمله في ظل السرية التي تحيط بـ”سرايا المقاومة”، حسب “الأهرام“.

ويظل هناك التباس في طبيعة الغطاء الذي يوفره “حزب الله” لتلك الميليشيا ومهماتها.

فهي، وفق أحد قادتها المنكفئين، ليست جزءاً عضوياً من جيش “حزب الله”، حسبما نقل عنه تقرير موقع المدن.

حتى إن الدورات العسكرية التي حظي بها أفراد السرايا لم تكن قاسية بهدف بناء جيش مجهز ومدرب. بل مهمتهم أصغر، وهي أن يكونوا في كل قرية أو حي كأنهم بمثابة شرارة جاهزة للتفجير بين عائلتين أو شارعين، ما يمكِّن “حزب الله” من اختراق أمن للبيئات المعارضة له سياسياً خاصةً السنية والدرزية، من دون أن يدخل بجيشه في معركة قد تأخذ أبعاداً مذهبية.

رواتب ضخمة

على مدى سنوات، انضم العديد من العاطلين إلى سرايا المقاومة، خاصة في المناطق السنية بقرى إقليم الخروب والساحل الجنوبي وشوارع بيروت وبلدات البقاع، حيث يحظى المنضمُّ براتب شهري وقطعة سلاح.

وقبل الأزمة المالية في لبنان كان يقدَّر راتب الشاب المسيحي والدرزي في “سرايا المقاومة” بألف دولار شهرياً، فيما يتقاضى السُّنّي مابين 1200 و1500 دولار شهرياً، حسب تقرير “الأهرام“.

وعناصر السرايا يتباهون بحمل السلاح، والنافذون فيها لا يتحركون إلا بموكب من المسلحين وسيارات الدفع الرباعي. هذا عدا التباهي بقدرتهم على فك حبل المشنقة عن أي موقوف لدى الأجهزة الأمنية.

عوامل كثيرة أسهمت في انتشار “سرايا المقاومة” داخل البيئة السنية، منها “المعاشات” للعاطلين عن العمل، في ظل غياب خدمات تيار المستقبل والقوى السنية السياسية الأخرى، ومنها سعي البعض إلى النفوذ في هذه القرية وذاك الشارع، إضافة إلى الساعين لتسوية أوضاعهم القضائية بتهم حمل السلاح، وغيرها.

لكن عوامل جذب الأعضاء إلى السرايا قد تتحول إلى عوامل ابتعاد فيما لو غابت الحوافز السالفة.

فعندما يتوقف الحزب عن دفع الرواتب يظهر التململ في السرايا.

وكانت ممارسات السرايا محل جدل دائم ومحور نقاش بين حزب الله وتيار المستقبل، خاصة في مدينة صيدا، مسقط رأس مؤسس تيار المستقبل رفيق الحريري وساحة نفوذ شقيقته بهية الحريري، ولكن شيئاً لم يتغير.




عربي بوست