فوج إطفاء بيروت.. كي لا ننسى انفجار 4 آب

كاتيا سعد – خاص بيروت أوبزرفر – فرنسا

4 آب 2020، الساعة 17:54:10 (الساعة 5 و 54 دقيقة و10 ثوانٍ مساءً)، يَرِد اتصال إلى مركز فوج إطفاء بيروت: “حريق في مرفأ بيروت.. أوكي جاهزين يلاّ..”. ثمّ يعلو صوت جهاز الإنذار، فيتأهّب فريق من رجال الإطفاء لتلبية النداء. يتّجه رامي الكعكي إلى قيادة سيارة الإسعاف، ليناديه زميله قائلاً: “نزال يا رامي، أنا الـ chauffeur” ؛ يجيبه رامي: “بسيطة يا زلمي، هون فشخة.. دقيقتين رَوحَة ورَجعَة..”. و”الفشخة” (مسافة قصيرة جداً)، تحوّلت إلى “فاجعة” ؛ و”الدقيقتين” تحوّلت إلى “ذهب ولن يعود”.




17:54:10، هنا البداية!!
ذهب رامي الكعكي، و9 من زملائه في فوج الإطفاء (سحر فارس، جو نون، رالف ملاحي، نجيب حتي، رقيب اول شربل كرم، شربل حتي، رقيب اول ايلي خوزامي، مثال حوا، جو بو صعب)، عند العنبر 12 في مرفأ بيروت. وهذه المشهدية هي جزء من الدقائق الـ 7، وهو فيلم قصير ارتأى الملازم أول علي نجم، رئيس شعبة العلاقات العامة في مركز فوج إطفاء بيروت، أن يسبق نشيد “فوج الإطفاء” الذي يؤدّيه الفنان أمير يزبك.
“مثال حبيبي.. طمّني شو صار معك؟ انشالله خير يا ربّ…”، ليجيب مثال على اطمئنان والدته: “ماما، اجتمعنا مع المحافظ وحقوقنا رح ناخدها ومع مكافأة”.
“كتّر خيرك يا سحر، يلاّ قرّبت نشوفِك عروس”، لتجيب سحر فارس الشخص وهي تداوي جرحه: :إيه قرّبت، بعد في كم شهر”.
“بدّك تنطّرني لبكرا تشوفك.. صرلنا شهر مجوزين وهيدا أجمل شهر بحياتي”، ليجيب إيلي خزامي زوجته: “حياتي مرتي اشتقتلك.. شو بدّي اعمل؟ الليلة نايم بالمركز وبكرا سوا”.
“يا بيّي، أنا بكرا بطلع بشيل الخشبات.. أنا بكرا بقوم بكّير.. ريّحلي حالك يا بيّي يا حبيب قلبي”، هذا كان آخر اتصال لـ جو نون (الذي يجسّد دوره الفنان أمير يزبك) مع والده.

7 دقائق تنقل لنا حقيقة اللحظات الأخيرة التي عاشها عناصر فوج إطفاء بيروت الـ10، يوم 4 آب 2020، بالتحديد بين الساعة 17:54:10 والساعة 18:07 (الساعة 6 مساءً). دقائق معدودة حملت بين دقّاتها اتصالات هاتفية بين الأهل ورجال الإطفاء، كانت في النهاية “اتصال الوداع”. وهنا أراد الملازم أول علي نجم، أن يكون هذا العمل تخليداً لعناصر فوج الإطفاء، وأن يتذكّرهم الجميع، و”أن يرى الجميع كيف يعيش نساء ورجال الإطفاء، ويتركوا كل شيء لدى سماع صفّارة الإنذار”. أراده بالصوت والصورة، لأنه يعتبر “السمع هو نصف الحقيقة، والرؤية تكمّل الحقيقة”.

المطلوب الحقيقة وتحقيق العدالة

هذا العمل الإنساني والوجداني، الذي استغرق تصويره يومين، وتحضيرات مكثّفة لمدة شهرين، هو تحية لروح شهداء الإطفاء. ولكنه أيضاً رسالة، و”انشالله يكون وصل لضمائر الفاسدين الذين كانوا السبب”، على حدّ قول أمير يزبك. ويؤكّد بأنّ هذا العمل واقعي، والشهداء كتبوا القصّة بدمائهم. والتأثر هو عنصر مشترك لدى فريق العمل، الذي ستشعر به أيضاً وأنت تشاهد العمل. وهنا تسترجع كلوديت آصاف بشعلاني، معدّة ومساعدة مخرج، شعورها في إحدى الاجتماعات مع أهالي الضحايا: “صراحة إنت وقاعدي مع أهالي الشهداء، تتساءلين كيف الله عاطيون القوة، وكيف الله عاطيون هالإيمان.. قوة إيمانهم منحتهم حتى القوة كي يتواجدوا معنا في الاجتماعات والتصوير”. لحظة بلحظة نقل لنا المخرج إدوار بشعلاني حقيقة ما حصل، بدءاً بالاتصال الهاتفي الذي تلقّاه مركز فوج إطفاء بيروت، مروراً بالانتقال إلى مكان الحريق، وصولاً إلى وقوع الإنفجار و”هذه الجريمة البشعة” كما يصفها. هي مأساة حقيقية، و”يمكن يفشّلنا خلقنا إذا عرفنا من المجرم ومن تسبّب بها”، كما يعبّر أمير يزبك. وهذه حال كل لبناني يريد معرفة الحقيقة، وحال الأهالي بشكل خاص الذين قالوا: “نشكر الله على كل شيء.. ويمكن ربّنا هيك بدّو.. بس نحنا يهمّنا نوصل للعدالة”.

وحرقة الأهالي، من أجل الوصول إلى العدالة، كانت الدافع الرئيسي في قلب حوالي 200 شخص، كانوا يعملون في كواليس العمل مجّاناً. وعلى أرض الواقع، كانت “إحساس بالحِمل الثقيل والمسؤولية” بالنسبة إلى إدوار بشعلاني.

“الله لا يسامحهم.. حرقوا بشر ووطن”
هذه الروح التضامنية انعكست بشكل إيجابي في العمل، الذي تمّ تنفيذه بكل عفوية وطبيعة مع أهالي الضحايا، ورفاقهم في فوج الإطفاء الذين يعرفونهم عن كثب. وهذا هو سرّ نجاح العمل، الذي سيبقى ذكرى تحكي عن الشهداء، “ملائكة السماء”. ولم يخلو عمل “4 آب، فوج إطفاء بيروت”، من الصعوبات التي تحدّث عنها إدوار بشعلاني منها ضيق الوقت، انتظار ساعة المغيب لحظة وقوع الانفجار، وحتى الوضع النفسي. ولكن أهمّها كانت محاولة البعض عرقلة التصوير في المرفأ، و”لكن ما ردّينا على حدا، وكمّلنا تصوير.. في كتير بدّن يزوّروا الحقيقة، وما نضوّي على الجريمة.. ولكن نحنا نكاية فيون ضوّينا”. ويضيف: “انشالله هالعمل يصبح فيلماً، وينتشر في كل العالم”.
حتى في هذا العمل الإنساني، يحاول البعض خرق حُرمة الحزن والموت. ولكن ما من أحد يتفوّق على العدالة الإلهية، وكل شخص أهمل هذا الموضوع حتى وصل إلى هذه الكارثة “له ربّنا، لأنه لا حسيب ولا رقيب في لبنان.. وعندما يحكم لبنان القاضي والشرطي، يصبح هناك بلد”، كما ينوّه أمير.
هذا البلد، بلدنا لبنان.. أين كان وأين أوصله كل مسؤول، لا يحمل في عقله وقلبه أي مسؤولية تجاه وطنه. فما الذي يقوله الملازم أول علي نجم عمّن وراء هذه “الجريمة”؟ “الله لا يسامحهم، لأنهم شرّدوا عائلات، حرقوا قلوب أهالي، وحرقوا وطن بكامله”. ويضيف: “يعجز اللسان عن وصف، من كان السبب، في عودة لبنان إلى الوراء، وقتل الأبرياء المعتّرين.. فمن يعمل كارثة إنسانية، لا علاقة له بالإنسان والقلب والوجدان”.

ثوانٍ معدودة عند باب العنبر 12 في مرفأ بيروت، حوّلت سماء بيروت إلى دخان وسُحب سوداء ؛ علت صرخات الألم على لسان الذين تواجدوا في المرفأ، أو بالقرب منه أو في الضواحي المجاورة ؛ وعلامة استفهام ظهرت في كل بيت تسأل عمّا يجري ؛ وعائلات الشهداء في حالة ترقّب لمعرفة ماذا حصل مع أبنائها. أصبحت شوارع بيروت تعجّ بضحايا الإنفجار ؛ المستشفيات في حالة تأهّب على الرغم من الدمار الذي لحق بمعظمها ؛ واكتست الطرقات دمّ الضحايا وحطام الأبينة. هكذا شهدت بيروت كارثة جديدة عالمية هذه المرة، لتضيف علامة أخرى على إهمال حكّام لبنان. فانفجار بيروت، وكما وصفه أمير يزبك وقع بطريقة “غدر”، وما “يزال الغدر موجوداً.. والأيادي السوداء لا نعرف من يحميها، ما دامت الحقيقة لم تظهر بعد”، على حدّ قوله. 
وفي ظلّ الإخفاقات السابقة من أجل معرفة الحقيقة، لا أدري إن يجوز التساؤل: هل سيتمّ كشف حقيقة ما حصل في المرفأ؟ نأمل أن لا يذهب دمّ الضحايا هدراً، وأن لا يبقى الغدر قائماً.