أوبزيرفر: عام على تفجير بيروت ولبنان تحكمه جماعات مصالح أتقنت الفساد ولا يهمها الشعب

نشرت صحيفة “أوبزيرفر” تقريرا أعده مارتن شولوف عن الوضع في لبنان بعد عام على تفجير مرفأ بيروت، وقال فيه إن لبنان غارق في الفساد أكثر، وأن الرد على انفجار المرفأ في آب/ أغسطس 2020 اتسم بالفوضى والشلل في بلد بات دولة فاشلة.

وقال: “عند نقطة الصفر في قيامة لبنان، تنبعث رائحة الجرذان المتعفنة من أكوام الحبوب المتعفنة، والصوامع المحطمة التي تتأرجح فوقها وتمزقت جوانبها بفعل التفجير الكارثي الذي مزق قلب بيروت أيضا. وكان من المفترض أن تطعم الأمة ولكنها لا تزال ملقاة على الأرض المدمرة فيما تبقى من الميناء”.




فقبل عام، هذا الأسبوع تسبب واحد من الحوادث الصناعية الخطيرة بواحد من أكبر التفجيرات وهزّ المدينة التي كانت تقف على حافة الهاوية. وانتشرت صور سحب الدخان التي ارتفعت فوق العاصمة اللبنانية في 4 آب/ أغسطس 2020 ومعها الصدمة الزلزالية القوية التي اجتاحت بيوتها ومحلاتها التجارية حول العالم وبرعب عالي الوضوح.

وفي وسط فوضى البلد الذي سمح بحدوث هذا على شعبه فقد كانت لحظة الحساب. لكن لم يحدث، فبعد مرور عام على الذكرى الأولى للكارثة، لا يزال لبنان مشلولا ويعيش حالة ذعر. ولا يزال التحقيق في الانفجار غير واضح ولم يعاقب مرتكبوه بل بعيدون عن الحساب أكثر من أي وقت مضى. والأسوأ من هذا، فإن معظم الدعم الدولي الذي تم التعهد به في أعقاب الدمار لا يزال متروكا؛ لأن حكام البلد الذين يفضلون الامتيازات الضيقة التي تدفقت إليهم وشلّت النظام على الخطة الدولية للانقاذ والتي كانت ستنقذ بلدهم.

وقال نضال عثمان، مورد مواد بناء في مدينة طرابلس: “من كان يظن أن وعاء التسول سيكون كبيرا وفارغا.. ربما ضحكوا علينا، ويريدون تقديم الكثير من المال ولكنهم تلقوا صفعة على وجوههم، هم يضحكون ونحن نبكي”. ومقابل 11 مليار دولار في حزمة مساعدات، طالبت فرنسا بإصلاحات بنيوية في نظام الحكم وشفافية في مجال الإنفاق وعلى كل المستويات.

وتم التعهد بمليارات أخرى من أوروبا ولكنها مشروطة بمراجعة نظام بنك لبنان الغامض، والذي كان حيويا في حركة الثروة في لبنان. وبعد عام لا تزال بيروت تجمع القطع المتناثرة من الانفجار، فقد انهارت العملة اللبنانية بنسبة 15 ضعفا، وزاد التضخم المرتفع جدا من أسعار المواد الغذائية والتي لم تعد متاحة لمعظم السكان. أما الأدوية الحيوية فهي غير متوفرة. وفي يوم الجمعة توفيت فتاة عمرها 4 أعوام بعد لدغة عقرب لأن الدواء المضاد للسموم لم يكن متوفرا في الصيدلية.

ولا يوجد وقود كاف لتلبية الاحتياجات الضرورية لتشغيل قطاع الكهرباء أو مافيا المولدات الخاصة التي تسد الفجوة وتحصل على أسعار باهظة مقابل ذلك. وبدلا من أن يؤسس الانفجار لعصر الخلاص، كشف عن الخلل الوظيفي في الدولة التي فشلت في كل المقاصد والأغراض. ولم تتفق طبقتها السياسية على تشكيل حكومة بعد، ولا تزال تتشاحن فيما بينها حول توزيع الوزارات كجوائز تعزز من إقطاعياتها. أما مؤسسات الدولة فقد أصبحت تابعة للفصائل المتمترسة.

وانخفضت احتياطات البنك المركزي من العملة الصعبة إلى مستوى أقل من المطلوب، مما يعني نهاية دعم المواد الأساسية التي كانت تؤمن حياة الطبقة المتوسطة. وانضم اللبنانيون إلى السوريين وغيرهم من سكان المنطقة المنبوذة وركبوا البحر هربا من ظروفهم، ومهما كانت المخاطر. ولا حل في الأفق باستثناء المساعدة الدولية مما يعني زيادة الوضع سوءا، المستمر منذ نهاية الحرب الأهلية قبل 30 عاما. وبدأ الكثيرون باستيعاب نظرة ولو لم تكن مستساغة لفهم حجم الانهيار الذي يعاني منه البلد، وأنه قام على أسس خاطئة من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي والوصاية السورية مرورا بالحرب الأهلية والنظام الريعي الذي تبع ذلك في عام 1991، ولم يكن اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب قابلا للتنفيذ بسهولة، إلا أن العقود الثلاثة الماضية وضعت أسس نهايته.

وتقول نورا بستاني، المحاضرة في الصحافة بالجامعة الأمريكية ببيروت: “بعد الطائف، حصل أمراء الحرب على جوائز ترضية بدلا من معاقبتهم على استمرار الحرب كما فعلوا” و”نزلوا إلى المدينة وكانت بالنسبة لهم منجم ثراء، وعرف السوريون أن هذا يحدث وأرادوا أن تكون لهم حصة أيضا، ومن أجل استمرار السلام تم التعايش مع الوضع، بشكل خلق ثقافة الإفلات من العقاب، وتحول إلى أمر عادي”.

وتضيف: “مضى رفيق الحريري في عملية إعادة الإعمار” وبنى ثروة طائلة من العملية. وكان السعوديون والسوريون جزءا رئيسيا في عملية إعادة الإعمار وأقامتا شبكات رعاية وتأثير حصلت على حصة في شؤون البلاد مقابل منح الرعاة يدا حرة في السيطرة على شؤونها وثرواتها. وقالت: “كانت هناك ثروة وسخاء وحياة راقية في بيروت”، و”مما مسح على دائرته، وهذا التعايش كان من أجل الحفاظ على السلام، وركزوا كلهم على الحصول على المال وتقاسموا المساعدات من الأموال الكبيرة واستمروا بالسرقة. وكانت هناك أموالا ضخمة لبناء المؤسسات ولم تحصل هذه إلا على القليل”.

وفي الأسبوع الماضي، تم تكليف نجيب ميقاتي الذي تولى رئاسة الوزراء مرتين والمقيم في أفقر مدنها، بتكليف الحكومة. وحاول سعد الحريري على مدى 12 شهرا تشكيل الحكومة بدون أي نجاح، فقد رفض الرئيس ميشيل عون التشكيلة الوزارية التي قدمها. وطلبت فرنسا من الحريري الذي يعد نتاجا للنظام ومستفيدا منه بتكسيره، حتى انتهى حظه، فقد تخلى عنه رعاته السعوديون عام 2017 عندما منح سلطة لحزب الله، الذي وطّد تأثيره بغطاء من عون.

وقال خلدون شريف، المحلل في الشؤون اللبنانية والمقيم في طرابلس: “ما يحدث الآن هو صدام بين مشروعين وطرفين” و”على الناس فهم أن الفساد هو النظام هناك، وجسد في أثناء تنفيذ اتفاق الطائف في 1991، وحصل الجميع على هدايا للموافقة. وكان عهد السخاء. وبدأ كل واحد يسرق وشجعوا على عمل هذا، ولم تكن هناك فرصة لدولة طبيعية كما تم تصورها نظرا للنظام الذي تم وضعه هناك”. وأضاف: “كل شيء من الكهرباء إلى المياه وجمع النفايات وإعادة الإعمار، تكلف اللبنانيين أكثر مما ينبغي بسبب الأموال التي تدفع للاعبين السياسيين ويعتبرونها الآن فسادا؟ ما هو التغيير؟ وأصبح حزب الله اللاعب الأكبر في السياسة بالبلد”.

وفي أيام الحر الشديد في الميناء، يقوم العمال بالبحث عن الجرذان المتعفنة في الصوامع ورميها في الخليج تحتها. ويقول أبو هيثم، الضابط في أحد الأجهزة الأمنية: “رائحتها كريهة”. والرمزية في أكوام القوارض المكدسة في مكان الانفجار لم تفت أبو هيثم ولا بقية اللبنانيين الذين يشعرون بخيانة الدولة لهم والتي لم تخدمهم أبدا ولن تفعل هذا في المستقبل القريب.

وقالت الطالبة يار حداد، 23 عاما: “إذا لم تكن هذه هي لحظة التغيير فمتى؟” وتريد مثل إخوتها مغادرة لبنان إلى بلجيكا “هل علينا قبول أن هذا هو لبنان؟ وإذا كان اللاعبون الإقليميون والأوروبيون قد اتفقوا على شكل الدولة بهذه الطريقة، فعليهم تفكيكها وبنائها من جديد أو يكونوا صادقين بأنه محكوم علينا بالفشل”.