هل إنكفاء التيار والقوات عن التسمية والمشاركة في الحكومة يخرج المسيحيين من المعادلة؟

مرة جديدة ينكفئ أكبر حزبين مسيحيين عن تسمية رئيس مكلّف بتشكيل الحكومة، فبعد الامتناع عن تسمية الرئيس سعد الحريري امتنع كل من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية عن تسمية الرئيس نجيب ميقاتي، الأمر الذي جعل البعض يتساءل عن سبب هذا الانسحاب العريض للأحزاب المسيحية عن التسمية وعن الرغبة في المشاركة في الحكومة العتيدة.

واللافت أن امتناع التيار والقوات عن التسمية جاء من دون أي تنسيق لا بل في ظل خصومة سياسية هي الأكثر بروزاً منذ توقيع اتفاق معراب الذي أسهم في تسهيل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. ومن المعلوم أن اعتبارات وحسابات كل طرف تختلف عن اعتبارات وحسابات الطرف الآخر، إلا أن الحكومة في حال ولدت ستعيد طرح مسألة الميثاقية ومدى توافرها في الحكومة في ظل غياب هذين الحزبين يُضاف إليهما غياب حزب الكتائب الذي انتقل إلى المعارضة، بحيث باتت تقتصر التسمية والمشاركة على حزب مسيحي واحد هو «تيار المردة» الذي لا يوازي بحضوره وحجمه أياً من الأحزاب الأخرى.




وتعيد خطوة كل من التيار والقوات إلى الأذهان ولو بنسبة معينة تجربة المقاطعة المسيحية الشاملة عام 1992 للانتخابات النيابية بسبب فرض نظام الوصاية السورية قانوناً انتخابياً غير عادل ولا يؤمن صحة التمثيل المسيحي لجهة توسيع الدوائر في 4 محافظات وإبقاء محافظة جبل لبنان على مستوى الأقضية. حينها لم تأخذ سلطة الوصاية بعين الاعتبار هذه المقاطعة ولم تعد النظر بقانون الانتخاب، ونتيجة لذلك تمكّن نواب مسيحيون في جبل لبنان من الوصول إلى البرلمان اللبناني بـ 42 صوتاً فقط، واستمرت مفاعيل المقاطعة وتداعياتها وتسبّبت بإحباط مسيحي بعد اعتقال قائد القوات سمير جعجع وإدخاله إلى سجن وزارة الدفاع في خطوة أعقبت نفي الجنرال ميشال عون إلى فرنسا.

لكن المفارقة أن إنكفاء الأحزاب المسيحية اليوم يتم في ظل عهد «الرئيس القوي» الذي لا يبصر مرسوم الحكومة النور من دون توقيعه، كما يتم في ظل وجود كتل مسيحية وازنة في البرلمان يمكنها في حال توحّدها من خلط أوراق سياسية. وفي هذا الإطار، أبلغ النائب السابق فارس سعيد رسالة قصيرة إلى بعض المحيطين به جاء في مضمونها ما يلي «ما كنا متخوّفين منه بعد اعتذار الرئيس الحريري لجهة تشكيل اصطفاف إسلامي عريض لتسمية رئيس مكلّف جديد حصل، وما حدث على المستوى السياسي هو ظهور لإصطفاف إسلامي يطالب بتسمية رئيس حكومة. وفي المقابل، حصل اصطفاف مسيحي لعدم تسمية رئيس حكومة كل لأسبابه».

ورأى سعيد «أن خروج الكتل المسيحية الوازنة عن التسمية أدّت إلى خلل عند الطرفين: الطرف الأول هو الطرف العوني الذي بات في مأزق، فإذا تألفت حكومة وفق شروط الرئيس ميقاتي بات الرئيس القوي هو نجيب ميقاتي وليس ميشال عون. وإذا لم تتألف حكومة سيواجه الرئيس عون مطالبة بإقالته أو باستقالته بشكل فجّ ومباشر لأنه لا يستطيع بعد تجربة السفير مصطفى أديب وتجربة الحريري وحالياً الرئيس ميقاتي أن يكون بصدد عرقلة تشكيل الحكومة. أما الطرف الثاني وهو القوات اللبنانية فهي في موقع الاحراج، فهم يقولون للناس انتظروا الانتخابات لأنها هي التي ستغيّر الأوضاع، إنما الناس لا تستطيع انتظار هذا الاستحقاق لأنها تريد حلولاً فورية، وهي تتحقق إما من خلال المشاركة في حكومة مع نجيب ميقاتي وبالتالي كان يفترض تسميته أو وهذا هو الخيار الأفضل من خلال المطالبة باستقالة الرئيس عون كبداية حل».

وإنضم إلى سعيد في التحذير من هذا الموقف المسيحي عضو «التكتل الوطني» النائب فريد هيكل الخازن الذي سأل «كيف ننتخب رئيسا للجمهورية عند الاستحقاق الرئاسي إذا رفض الفريق السنّي تسمية الرئيس؟» مضيفاً «ليس كهذا يُبنى البلد».

في المقابل، فإن أوساط القوات اللبنانية قلّلت من أهمية التحليلات حول أن الامتناع عن التسمية يؤدي إلى خروج المسيحيين من المعادلة السياسية وإلى إنطلاق عجلة النهوض في البلد من دون المسيحيين، مؤكدة «ان هذا الوطن لا يُبنى من دون مسيحييه كما من دون مسلميه، وهذه حقيقة تاريخية ثابتة، لا يمسّها هذا الهلع المصطنع على امكانية تحالف المسلمين السنّة والشيعة لضرب مصالح المسيحيين المنكفئين» وشدّدت على «أننا لم ولن نخرج من المعادلة السياسية إذا تشكّلت فعلاً حكومة وفق المبادرة الفرنسية، وسنقف الى جانبها بالقول والفعل، وهذا ما أبلغناه إلى الرئيس المكلّف».

وميّزت القوات بين عدم تسميتها للرئيس ميقاتي وبين عدم تسمية التيار له، فلفتت إلى «ان منطلقات كل تكتل مسيحي ودوافعه لعدم التسمية مختلفة عن بعضها، اختلاف الأبيض عن الأسود. ويعلم مطلقو تلك التحاليل وقبل غيرهم هذا الأمر جيداً» موضحة «أن عدم تسميتنا لأي شخصية لتكليف الحكومة هو استمرار لقناعة ثابتة أعلنا عنها مراراً بأن حصان التغيير الشامل هو الانتخابات النيابية، وان عربته هو حكومة تُشكّل وفق المبادرة الفرنسية، ولن نغيّر موقفنا الثابت من هذه السلطة لمجرّد تغيير شخص الرئيس المكلف، ولم نتعوّد على الاستدارات المصلحية».

من جهته، فإن التيار الوطني الحر الذي يستشعر دقّة الاستحقاق الانتخابي المقبل بعد فك تحالفه مع «تيار المستقبل» الذي تمكّن بفضله من نيل عدد من المقاعد النيابية في بيروت والبترون وعكار وزحلة، يحاول الظهور من الآن وحتى موعد الانتخابات بمظهر الفريق المعارض للحكومة علّه بهذه الخطوة يحتفظ بأغلبية التمثيل المسيحي التي تؤهّله للاحتفاظ بلقب الأقوى مسيحياً عشية الانتخابات الرئاسية، في ظل الاستطلاعات التي تتحدث عن تقدم للقوات اللبنانية في الأقضية المسيحية. إلا أن حساب التيار قد لا يلتقي مع حساب البيدر خصوصاً أن هذا العهد هو عهد التيار ويتربّع على رأسه الرئيس الفعلي للتيار، وبالتالي لا تستوي محاولة لعب دور المعارضة والسلطة في آن واحد.