صدام المشاريع في حرب “الزوال” – رفيق خوري – نداء الوطن

صدام المشاريع في لبنان يقترب من لحظة الذروة كلما تسارع الإنهيار. وما نحن فيه ليس مجرد “إستمرار للحرب بوسائل أخرى”، حسب تعبير كلازوفيتز، بمقدار ما هو حرب أخطر من حرب 15 سنة. تلك الحرب قادت الى تسوية في الطائف، لكن البلد المهدم لم يكن يواجه خطر الزوال. وهذه الحرب، حيث أعلن وزيرا الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والفرنسي جان إيف لودريان انهما تحققا من “إمكان زوال لبنان”، مرشحة لأن تؤدي الى نوعين متناقضين من التغيير: نوع إسمه إنقاذ لبنان الذي يبدو كأنه صار بنداً على “الأجندة” العربية والدولية. ونوع هو تغيير هوية لبنان وجوهره ودوره كبند على “الأجندة” في “محور الممانعة والمقاومة”. والصدام بين المشروعين لم يعد لدى أصحابه ترف الرهان على شراء الوقت واللعب على مراحل.

ذلك أن اللعبة تجاوزت فصلين فاشلين منذ مبادرة الرئيس إيمانويل ماكرون بعد إنفجار المرفأ قبل أحد عشر شهراً: فصل الكلام على “حكومة مهمة” إنقاذية من إختصاصيين، مع رضى التركيبة السياسية وإعادة الإعتبار إليها. وفصل الحديث عن ضغوط وعقوبات على المافيا المتسلطة الفاسدة لإجبارها على السماح بتأليف حكومة “إصلاحية” تدخل من الباب العربي والدولي المفتوح للإنقاذ. أما الفصل الجديد، كما بدا من اجتماعات نيويورك وباريس والفاتيكان والرياض ولندن وبرلين وروما، فإنه سحب اليد من التركيبة السياسية والرهان على التغيير وإعادة تكوين السلطة.




كيف؟ بالتفاهم على موقف واحد يأتي مثل حكم تصدره “محكمة” سياسية دولية خاصة بلبنان وخلاصته: “المسؤولون قاصرون عاجزون وفاسدون”. وما بعد الحكم السياسي الدولي، رهان على المجتمع المدني والتيارات الجديدة والإنتخابات، وحرص على المساعدات للجيش والمجتمع المدني. وهذا يصطدم بالمشروع الذي يعمل له “محور الممانعة والمقاومة” بعدما اقترب لبنان من أن يصبح جزءاً من المحور، في أكبر تحوّل جيوسياسي يمتد من طهران الى بغداد ودمشق وبيروت ومعها صنعاء.

ومن الطبيعي، قياساً على التجارب، أن تثار الشكوك حول جدية المشروع الدولي والرغبة في دفع كلفته والقدرة على تطبيقه والصبر الإستراتيجي الذي يحتاجه. فالوضع اللبناني بالغ التعقيد وعصي على الإصلاح والتغيير، واللبنانيون يتقاتلون ولا يثورون. وزمن الوصاية الدولية انتهى. والمساعدات الإنسانية شيء وبناء لبنان شيء آخر. لكن المؤكد أن مشروع “الممانعة والمقاومة” عاجز عن إنقاذ لبنان، وهو من الأسباب المهمة في أزماته الداخلية ومع الخارج، وإن بدا قادراً على وراثته بعد الإنهيار. فما يخيف قواه ليس الإنهيار بمقدار ما هو الإنقاذ على يد العرب والغرب. لكن اللعبة في النهاية أكبر منه. والإنهيار يأخذ الجميع.

“وتقدرون فتضحك الأقدار” كما قال شاعر عربي قديم.