عندما يصبح انهيار لبنان خدمة لـ”الممانعة”!

فارس خشان – الحرة

بوتيرة شبه يومية، تصدر دراسات في تل أبيب تُظهِر أنّ خراب لبنان المالي والاقتصادي والاجتماعي يضر بأمن اسرائيل الاستراتيجي.




آخر هذه الدراسات أصدرها “معهد السياسات والاستراتيجيا في مركز هرتسليا “ووقّعها اودي افينطال.

تتقاطع هذه الدراسة مع سابقاتها الإسرائيلية في التأكيد على أنّ تفاقم الكارثة التي تعصف بلبنان، من شأنه أن يؤدي إلى تعاظم سيطرة “حزب الله” في المدى المتوسط، وتسريع تسليحه، وزيادة نفوذ إيران، وتآكل قوة الردع الإسرائيلية لأنّه “كلّما تسارع تفكّك الدولة اللبنانية تعيّن على إسرائيل أن تأخذ، في الاعتبار، أنّ تأثير الردع الذي ينطوي عليه ضرب البنى التحتية للدولة اللبنانية سيتآكل، كما أنّه من المتوقع أن تنخفض درجة التساهل الدولي إزاء ضرب البنى التحتية بصورة كبيرة”.

ولا يمكن التعاطي مع هذه الدراسات على قاعدة أنّها جزء من “الحرب الناعمة على لبنان”، لأنّها، في مكان ما، تستهدف معنويات الجهة الأساسية الموجّهة اليها، أي الرأي العام الاسرائيلي، وهي، لولا الترجمات التي تقدّمها مراكز دراسات معادية لإسرائيل، لما كانت قد وصلت، على الأرجح، إلى القارئ العربي عموماً، واللبناني خصوصاً.

وتكمن أهمية هذه الدراسات، ليس في أنّها تواكب مواقف كبار المسؤولين الاسرائيليين حول لبنان فحسب، بل في أنّها تتزامن مع اتفاق حكومي إسرائيلي على تخصيص الجيش الإسرائيلي بميزانية كبرى هدفها التحضير لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، من شأنها، وفق تل أبيب، أن ترفع مخاطر نشوب حرب مع “حزب الله” في لبنان.

إذن، بالاستناد الى هذه الدراسات والتقارير والمواقف الإسرائيلية، يتضح أنّ مصلحة “حزب الله”، وخلفه إيران، تكمن في انهيار لبنان.

وهذه الخلاصة ليست خاصة بالباحثين الإسرائيليين الاستراتيجيين، بل سبقهم إليها كثيرون في لبنان أيضاً، إذ إنّهم تحدّثوا عن “مخطط يقف وراء خراب البلاد”، كما كان البطريرك الماروني بشارة الراعي قد فعل، عندما قال في عظة عيد الفصح الأخير: “لقد صار واضحاً أنّنا أمام مخطط يهدف إلى تغيير لبنان، بكيانه ونظامه وهويته وصيغته التقليدية”.

ويرى كبار اللاعبين السياسيين اللبنانيين أنّ الأزمة الحكومية التي تفاقم، وفق المجتمع الدولي، الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان، يقف وراءها “حزب الله”.

الرئيس سعد الحريري، غداة اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة، لم يتعمّق في تقديم ما يملك من أدلة على دور سلبي لعبه “حزب الله” في موضوع عرقلة تشكيل الحكومة، بل اكتفى، بالإشارة، مراراً وتكراراً، الى أن “حزب الله” يدعم رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي يعرقل تشكيل الحكومة، قائلاً: “هذه هي المشكلة، وأعمى كلّ من لا يراها”.

“حزب الله” يحاول أن يبعد عنه هذه التهمة، لكنّه لا يقدّم سوى “حلاوة اللسان” التي لا تستطيع أن تعوّض مرارة “لسعة الأفعال”.

الناطقون باسمه يكررون أنّهم يستعجلون تشكيل حكومة في لبنان، لكنّهم، في الواقع، يعملون على أن تكون، وفق منظورهم للأمور، أي غير منتجة للمفاعيل الإنقاذية.

نائب الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، وما إن أنهى الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي استشاراته النيابية، حتى أطلّ على قناة “المنار” الناطقة باسم حزبه وأعلن على الملأ:” لا أحد يتجرّأ على التدخل ومنع حزب الله من الوجود في الحكومة، وحزب الله سيشارك، بشكل غير مباشر، عبر اختصاصيين في الحكومة”.

كلام قاسم هذا يتناقض مع تعهّدات ميقاتي الذي خلف الحريري بأن تكون الحكومة التي انطلق في محاولة تشكيلها مؤلفة من وزراء اختصاصيين ومستقلين.

ويناقض إعلان قاسم، أيضاً، وهذا الأهم، مطالب المجتمع الدولي الذي يربط بين برنامج إنقاذ لبنان، من جهة، وبين تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، من جهة أخرى.

ويشكَل ما كشفه قاسم، على ما جرت العادة، حجة لجميع الأطراف، المطلوب منها أن تساهم في عملية تشكيل الحكومة، من أجل أن تفرض حصتها من الوزراء.

وقد فشلت، في البداية، مساع السفير مصطفى أديب في تشكيل حكومة المبادرة الفرنسية “الأصلية”، بعدما جرّ اشتراط “حزب الله” أن يُسمّي بنفسه الوزراء الذين يمثّلونه، اشتراط رئيس الجمهورية ميشال عون أن يسمّي هو جميع الوزراء المسيحيين.

وهذا ما عاد وحصل، في مواجهة مساعي الحريري التي انتهت إلى “رمي الإسفنجة”، على ما يقول الأوروبيون، مستلهمين قاموس الملاكمة، في كلّ قرار يقضي بالتوقف عن “المواجهة”، أو السعي الى هدف محدّد.

وحكومة، وفق مشيئة “حزب الله”، لن تؤتي أيّ مفاعيل إنقاذية حقيقية، لأنّها سوف تخسر، فوراً، الثقة الشعبية التي تفصلها هوّة سحيقة عن الثقة النيابية، وهي لن تقنع الدول المطلوب منها إعادة الاهتمام بلبنان، بأن تفعل، كما هي عليه الحال مع المملكة العربية السعودية التي تحاول واشنطن وباريس “جذبها”.

الأكيد أنّ “حزب الله”، مستفيداً من “أهواء” عون، يقف وراء عدم تشكيل حكومة من شأنها أن تلبّي ما يسمّيه المقربون منه “التطلعات الاستعمارية”، وتالياً، فهو، ولو لم نذهب، خفراً، إلى حيث تذهب الدراسات الاسرائيلية، يراكم، على الأقل، ما يكفي من أدلة على أنّه “غير قلق” من تداعيات الانهيار اللبناني، وأنّ ما يدمي اللبنانيين لا يضرّه.. بل يُفيده!