عجز تجاري صادم: الانهيار المالي يطيح بالصادرات والقطاعات الإنتاجيّة

كان من المفترض في أي دولة أخرى أن يكون تراجع سعر صرف العملة المحليّة فرصة لتحسين وتقليص عجز ميزانها التجاري، وهو المؤشّر الذي يلخّص الفارق بين قيمة السلع المصدّرة والمستوردة لهذه الدولة. فحين يتدنى سعر صرف العملة المحليّة ترتفع كلفة السلع المستوردة بالعملة الصعبة، فينخفض الطلب عليها لصالح الإنتاج المحلّي، ويتراجع حجم الاستيراد. كما تتدنى أسعار السلع المُنتجة محليّاً بالعملات الأجنبيّة، فيرتفع الطلب عليها في الأسواق الخارجيّة، ويرتفع حجم التصدير. ولهذا السبب بالذات، كان يُلام حاكم المصرف المركزي على سياسة تثبيت سعر الصرف ونفخه اصطناعيّاً، التي اعتمدها تاريخياً بطلب وغطاء من جميع السلطات المتعاقبة، لكونها سياسة فوتت على لبنان فرصة تعزيز القطاعات المنتجة وزيادة تنافسيتها في الأسواق المحليّة والخارجيّة.

بعد سنوات طويلة من تثبيت سعر الصرف، ومن التضحية وتبديد سيولة المصرف المركزي لهذه الغاية بالتحديد، انهارت قيمة الليرة اللبنانيّة. لكنّ لبنان لم يحصد عندها أي من الثمار التي تحصدها في العادة الدول عند تراجع قيمة عملتها، لا بل على العكس، تظهر أرقام العام الحالي أن عجز الميزان التجاري ارتفع في بداية هذه السنة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما يظهر أن السبب يكمن تحديداً في الانهيار غير المسبوق في حجم الصادرات وانتاجية القطاعات الاقتصاديّة المختلفة. باختصار، دمر تثبيت سعر الصرف تنافسية الانتاج اللبناني، ثم دمّر الانهيار المالي جميع المقومات الانتاجيّة بعد أن فقدنا القدرة على تثبيت سعر الصرف.




الأرقام تعكس حجم الانهيار
أرقام الجمارك اللبنانيّة لبداية هذا العام تعكس كل هذه التطورات. فلغاية شهر شباط من هذا العام، كان مستوى العجز في الميزان التجاري قد ارتفع إلى نحو 1.56 مليار دولار، مقارنة بـ1.42 مليار دولار فقط في الفترة المماثلة من العام الماضي. عملياً، مثّل هذا الارتفاع تطوّراً صادماً بالنسبة إلى مؤشّرات الأزمة الاقتصاديّة اللبنانيّة، خصوصاً أن انخفاض حجم السلع المستوردة، نتيجة تراجع القدرة الشرائيّة للبنانيّين وانهيار سعر الصرف، كان يفترض أن يدفع هذا العجز إلى الانخفاض لا العكس.

التدقيق أكثر في هذه الأرقام، يُظهر أن حجم السلع المستوردة انخفض بالفعل بنحو 7.4% بين الفترتين، لكن هذا الانخفاض لم يسهم بخفض عجز الميزان التجاري، بفعل التدهور الكبير في حجم الصادرات، التي انخفضت قيمتها بنسبة قياسيّة بلغت 42.95%. وبما أن المؤشّر يعتمد على قياس الفارق بين الصادرات والواردات، وكون انخفاض حجم الصادرات فاق حجم الانخفاض في الواردات بنسبة كبيرة، ارتفعت قيمة العجز في الميزان التجاري بنسبة 9.3%. مع العلم أن التدهور الحاصل في حجم السلع المصدّرة إلى الخارج لم يحصل حتّى خلال السنة الماضية، ما يدل على تحوّل خطير وغير مسبوق على هذا المستوى.

في الواقع، ثمّة ما هو أخطر في هذه الأرقام. فالمعادن الثمنية والمعادن وحدها مثلاً (كالمجوهرات والخردة)، باتت تمثّل اليوم ما يقارب 41% من الصادرات اللبنانيّة، وهي تعد من السلع ذات القيمة المضافة المنخفضة جداً، التي يُعاد تصديرها بعد عمليات إعادة تصنيع بسيطة، أو حتّى من دون أي عمليّة إعادة تصنيع. لا بل في كثير من الأحيان، لا تمثّل هذه الصادرات سوى عمليات تهريب سيولة مقنّعة، عبر شراء الذهب وشحنه إلى الخارج لبيعه هناك. ومع ارتفاع نسبة هذه الصادرات من إجمالي الصادرات اللبنانيّة، يتبيّن أن لبنان فقد أقوى النشاطات الاقتصاديّة من حيث الانتاجيّة، ليقتصر جزء كبير من ما تبقى من صادرات على سلع لا تملك قيمة انتاجيّة وازنة ولا تملك الكثير من الفائدة على الاقتصاد المحلّي.

تداعيات مرهقة
يمثّل عجز الميزان التجاري قيمة السيولة التي تحتاجها البلاد لتمويل عمليات الاستيراد على مدار السنة. وإذا كان العجز في هذا الميزان ارتفع ليبلغ حدود 1.56 مليار دولار في أوّل من شهرين من هذا العام، فذلك يعني ببساطة أن لبنان سيحتاج خلال سنة 2021 ما يقارب 9.36 مليار دولار لتمويل عمليات الاستيراد. الأزمة الأساسيّة هنا هي أن قدرة المصرف المركزي على الاستمرار بدعم استيراد السلع الأساسيّة تتراجع، لا بل ثمّة سلع باتت خارج إطار الدعم كلياً كالمواد الغذائيّة والمستلزمات الطبيّة وجزء كبير من السلع الدوائيّة. أما المحروقات، فمن المتوقع أن تبدأ عمليّة تحريرها من آليات الدعم خلال فترة أسابيع.

بمعنى آخر، فهذه المليارات التي يظهرها عجز الميزان التجاري، ستستنزف الدولارات الموجودة في السوق الموازيّة، وستمثّل عامل ضاغط على سعر صرف الليرة اللبنانيّة. مع الإشارة إلى أن قيمة تحويلات المغتربين إلى لبنان، والتي بلغت قرابة 7 مليارات دولار خلال العام الماضي، لا تكفي وحدها لملء فجوة عجز الميزان التجاري وحاجة لبنان إلى الدولارات للاستيراد. أما انعدام التحويلات الواردة كودائع إلى النظام المالي، وعدم وجود أي استثمارات خارجيّة جديدة، فلا يبقي أي مصدر آخر لاستقطاب الدولارات القادرة على ملء هذه الفجوة.

الجزء الآخر من هذه التداعيات المرهقة، يتعلّق بعدد المصانع والمؤسسات الإنتاجيّة التي أقفلت أبوابها كلياً أو سرحت جزءاً كبيراً من موظفيها خلال الأزمة. وهو تطوّر سيترك أثره دون شك على نسبة الذي باتوا في صفوف العاطلين عن العمل، وعلى حجم الفئة التي ستحتاج إلى آليات دعم خاصّة، لتتمكن من تجاوز هذه المرحلة. مع العلم أن منظمة العمل الدوليّة تقدّر أن مستويات البطالة ارتفعت تدريجياً من نحو 11.3% سنة 2018 إلى مستويات تتجاوز 36.9% خلال العام 2020، بينما من المتوقع أن يتخطى هذا المعدّل حدود 41.4% سنة 2021. وهنا تشير دراسة منظمة العمل نفسها أن نحو 700 ألف شخص سيفقدون وظائفهم كلياً بحلول نهاية هذا العام، أغلبهم من العاملين في القطاعات غير النظاميّة، أي من الذين لا يملكون حالياً أي شبكات أمان أو حماية ولن يستفيدوا من تعويضات نهاية الخدمة.

أسباب تدهور ظروف القطاعات المنتجة
تتنوّع أسباب التدهور في ظروف عمل القطاعات المنتجة، والتي أدت إلى تراجع الصادرات بهذا الشكل الضخم. الأزمة الأولى بالنسبة للمؤسسات الإنتاجيّة، تمثّلت منذ البداية بأزمة السيولة الناتجة عن الانهيار المصرفي، والتي منعت هذه المؤسسات من استخدام سيولتها الموجودة في المصارف لاستيراد المواد الأوليّة. في الوقت نفسه، كانت أسعار المواد الأوليّة ترتفع بالليرة اللبنانيّة، مع كل انهيار في سعر صرف العملة المحليّة، في حين أن جزءاً وازناً من مبيعات هذه المؤسسات ارتبط بالسوق المحلّي التي لم تكن تتحمّل زيادات كبيرة في الأسعار. ومع تدهور تغذية مؤسسة كهرباء لبنان، كانت قدرة المؤسسات على ملء هذا الشغور تتراجع، خصوصاً أن المولدات الموجودة أساساً لم تكن قادرة على تحمّل الزيادات الإضافيّة في ساعات التقنين. وأخيراً، مثّلت أزمة المحروقات الحاليّة رصاصة الرحمة على هذه المؤسسات، خصوصاً بعد أن بات عليها تحمّل أسعار السوق السوداء لتأمين المازوت المطلوب لتشغيل المولدات.

حكاية القطاعات الانتاجيّة في لبنان لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة طبيعة لتوجهات نقديّة وماليّة، لطالما جعلت هذه القطاعات تدفع ثمن سياسة تثبيت سعر الصرف في الماضي، والتغاضي عن الإنفاق لتعزيز البنية التحتيّة المطلوبة لتشغيل هذه القطاعات. واليوم، تدفع هذه القطاعات مجدداً ثمن الانهيار، وثمن ترك تطورات الأزمة متفلتة من دون أي رؤية رسمية لكيفيّة التعامل معها. أما الأزمة التي سيعاني منها لبنان لعقود مقبلة، فستكون صعوبة إعادة إنعاش هذه القطاعات بعد التخلّص من آثار الأزمة الحاليّة، وخصوصاً بعد هجرة جزء كبير من الكوادر التي تملك خبرة العمل والمبادرة في هذه المجالات.





المدن