“أكاذيب تكشفها حقائق”

سركيس نعوم – النهار

المثل اللبناني العامّي يقول أنّ “الفاخوري يركِّب أذن الجرّة مثلما يريد”. وهو ينطبق على الممارسة السياسيّة في لبنان. إذ لم يعُد أحد يعرف ما هي “الميثاقيّة” التي اخترعها أحد أركان الطبقة السياسيّة المُتناوبة على حكم البلاد في كلّ المراحل التي مرّت بها، ولا الهدف منها، ولا إذا كانت تعكس رغبة صادقة عند مُخترعيها والمُطبّلين لها في تحقيق مساواة بين الشعوب اللبنانيّة داخل السلطة أو محاولة للإيحاء بذلك. في حين أنّ الهدف الفعليّ منها هو الحفاظ شكلاً على التوازن والمساواة ولكن من أجل استمرار ميزان القوى “الطابش” في لبنان لمصلحة إحداها. لا يرمي هذا الكلام طبعاً إلى استهداف الشعب الحاكم عمليّاً في هذه المرحلة من تاريخ البلاد لأنّ تاريخها أظهر وعلى نحوٍ لا يقبل الشكّ أنّ الشعوب كلّها أو بالأحرى قادتها مارسوا هذه العمليّة يوم كانت الرياح الإقليميّة والدوليّة تهبُّ في مصلحتهم.




بل يرمي إلى محاولة فهم متى تُطبّق الميثاقيّة ومتى لا تُطبّق،
وما هي معايير تطبيقها ومعايير الامتناع عنه. ففي الاستشارات النيابيّة المُلزمة الأخيرة لاختيار شخصيّة سُنيّة تُكلّف تأليف الحكومة بعد العجز عن ذلك طيلة شهورٍ تسعة ماضية امتنع “التيّار الوطني الحر” و”حزب القوات اللبنانيّة” وهما التنظيمان السياسيّان المسيحيّان الأوسع تمثيلاً عن تسمية شخصيّة مسلمة سُنيّة لهذه المُهمّة. شاركهما موقفهما السلبي هذا “حزب الكتائب اللبنانيّة” العريق وصاحب الدور المهمّ السياسي والعسكريّ في تاريخ لبنان منذ استقلال دولته عام 1943، ولكن بمقاطعة الاستشارات قاطعاً بذلك “شعرة معاوية” مع التركيبة السياسيّة القائمة. لذلك بدا أن غالبيّة مُمثّلي “الشعب المسيحي” كانت مُعترضة إمّا على شخص الرئيس الذي كُلِّف وإمّا على الطريقة التي اعتُمدت للوصول إلى هذه النتيجة.

رغم ذلك فإنّ مُخترع الميثاقيّة والمُنظّرين المفوّهين لها لم يعتبروا ما حصل مخالفاً للميثاقيّة رغم عدم احترام المبدأ الأساسيّ لها وربّما الأوحد وهو أن تكون الغالبيّة في كلّ شعوب لبنان راضية على اختيار الرئيس المُكلّف. وكانوا بذلك مُخالفين لجوهرها علماً أنّ الكلام عنها بهذه الطريقة لا يعني على الإطلاق الاعتراف بها مبدأ أساسيّاً في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. إذ أنّ هدفها مثل مبادئ كثيرة أخرى هو تكريس الواقع الطائفي بالقوى الأساسيّة المُسيطرة عليها، وليس العمل لتجاوزه بعدما تأكَّد للقاصي والداني في العالم القريب والبعيد أنّه أحد أسباب انتهاء لبنان 1920 ثمّ 1943 ثمّ 1989، وعدم بروز بديلٍ منه قادر على إعادته إلى الحياة.

الأكثر إثارة للتساؤل في هذا المجال هو تأكيد مُخترعي الميثاقيّة والمُنظّرين لها أنّ معيار احترامها سيكون بمراعاتها في تأليف الحكومة كما بالتصويت على منحها الثقة في مجلس النوّاب واجتيازها بنجاح آخر المراحل الصعبة وهو وضع بيان وزاري لا يتضمَّن أيُّ حلٍّ لمشكلات لبنان وأزماته، بل عبارات غامضة ومُبهمة تحمل المعاني المتناقضة كلّها فلا تُرضي الخارج “الزعلان” من لبنان والخارج “المُمسك” به ولا اللبنانيّين. إذ أنّهم يعرفون أنّ الخلافة حول تفسيره حتميّ الأمر الذي يُفاقم مشكلاتهم المُتفاقمة أصلاً. في أي حال هل يعتقد مُخترعو الميثاقيّة والمُنظّرون لها أنّ الغالبيّة المسيحيّة في مجلس النوّاب ستمنح حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثقة إذا وفّقه الله في تأليفها وساعدته قُدرته على تدوير الزوايا و”مراعاة” المشاعر المبالغ فيها والمقصود بهؤلاء “التيّار الوطني الحر” و”حزب القوات اللبنانية” وشخصيّات نيابيّة أخرى مُستقلّة؟ الجواب هو كلّا طبعاً.

إذاً كيف تكون الميثاقيّة محترمة بامتناع هؤلاء عن تسمية الرئيس المُكلّف ثمّ تفقد احترامها برفضهم منحها الثقة في مجلس النوّاب؟ طبعاً لا يُنكر أحد أنّ هناك مسيحيّين بعضهم وازنٌ وإن أقل من “التيّار” و”القوّات” مثل “تيّار المردة” الزغرتاوي سيمنحون الثقة لحكومة ميقاتي إذا ألّفها. لكن هل يكفي هؤلاء لجعل الميثاقيّة محترمة في نظر مُخترعيها والمُنظّرين لها؟ في أي حال إنّ هذه النظريّة مثل نظريّات أخرى أثار بعضها “الموقف هذا النهار” في اليومين الماضيين ومع الاحترام الكبير لمُطلقيها لا تخدم استقرار لبنان واستعادة دولته ومؤسّساته العافية وشعبه الاستقرار والاطمئنان إلى الغد والقدرة على العيش الكريم وإن في حدّه الأدنى، بل تُعمِّق الأساسات غير السليمة لهذا اللبنان علماً أنّها كانت السبب في انتهائه. إذ أنّها انطلقت أساساً من تمسّكٍ بتركيبته الطائفيّة – المذهبيّة ومن تمسُّك منظومة سياسيّة شاملة بحكمه وبالافادة من خيراته وباستعمال شعبه أو شعوبه لخدمة أغراضها غير الوطنيّة غالباً.

في نهاية هذه السلسلة القصيرة بعنوان “#أكاذيب تكشفها حقائق” لا بُدّ من إثارة موضوع مهمّ يستعمل كثيراً من قبل الذين ضحّوا بدمائهم من أجل تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، كما من قبل الذين يستعملون ذلك في المجالات السياسيّة والإعلاميّة بُغية تحقيق مكاسب مُتنوّعة. الموضوع هو “ثقافة المقاومة” التي يعتزُّ بها وعن حقّ الذين طردوا اسرائيل من لبنان بدمائهم وضحّوا بعائلاتهم وبكلّ ما يمتلكون من أجل ذلك. وما يُثير الحزن هنا هو استعمال “ثقافة المقاومة” ورفعها في وجه الشعوب اللبنانيّة المُعارضة للشعب الذي آمن بها وطبّقها وهي المُتنافسة معه عند كلِّ خلاف ينشب بينها. طبعاً مرّت مقاومة العدو الاسرائيلي بمراحل عدّة. فهي كانت “يساريّة” و”أمليّة” و”سوريّة قويّة اجتماعيّة” وأخيراً “حزب اللهيّة”.

وقد احتاجت في مراحلها كافّة إلى دعم خارجي وتحديداً إقليمي أحياناً من شقيق عربيّ (سوريا الأسد) وأحياناً من شقيق مسلم (إيران الاسلاميّة) يجمعه بالفريق الذي تحمَّل وحده وخلال أكثر من خمسة وعشرين سنة مسؤوليّة المقاومة والتحرير انتماءٌ مذهبيّ واحد وإيمان بإيديولوجيّة سياسيّة دينيّة إقليميّة واحدة. اللبنانيّون رغم خلافاتهم الشديدة رحبّوا بنجاح “الحزب” في التحرير البعض بقوّة والبعض الآخر بخوف من انعكاسات ذلك على لبنان ودولته المُنقسمة وعلى شعوبها الأخرى المختلفة معه في الدين أو المذهب أو السياسة.

بدا ذلك واضحاً بعد تحوّل “حزب الله” مُحرِّر لبنان من اسرائيل جيشاً في إيديولوجيا إيرانيّة تدخَّل وبنجاح في سوريا والعراق واليمن وغزّة وربّما في مناطق أخرى من العالم. كما بعد انتقال الشعوب اللبنانيّة الأخرى إلى الخوف منه في حال استتبَّ الأمر لحليفته إيران في المنطقة على النظام في البلاد وعلى الأدوار الطائفيّة والمذهبيّة داخله، ولا سيّما في غياب دولة مواطنة مدنيّة فيه.

واعتراض البعض في هذا المجال ليس على “ثقافة المقاومة” إذ على كلِّ شعب أن يؤمن بها ويُضحّي من أجلها. بل هو على كون هذه المقاومة إسلاميّة وتحديداً شيعيّة وكون هدفها تجاوز لبنان، إذ صار إقامة محور إقليمي كبير تقوده إيران الدولة الدينيّة الإسلاميّة الشيعيّة. وذلك يُثير خوف البعض على لبنان وتحديداً خوف أبناء شعوبه الأخرى المُنتمية إلى مذهبٍ إسلاميٍّ آخر أو دين غير الاسلام.

ولعلّ أكثر ما يُقلق على هذا الصعيد هو أنّ ثقافة المقاومة الإسلاميّة الشيعيّة يعتبره الذين أسَّسوا المقاومة اللبنانيّة المسيحيّة بوقف تدخّل الفلسطينيّين في بلادهم من أجل تحسين حصّة المسلمين في النظام اللبناني شبيهة بثقافتها ربّما مع فارق واحد هو أنّ الأولى “توسُّعيّة” لأنّ المنطقة في غالبيّتها مسلمة، في حين أنّ الثانية “تقوقعيّة” لأنّ المسيحيّين أقليّة في الشرق. طبعاً هذا موضوع شائك يحتاج إلى بحث أكثر عُمقاً. لكن كان لا بُدّ من الإشارة إليه لأنّ في أعناق كلّ شعب لبناني (سُنيّ ومسيحي ودرزي وشيعي) اقتناعاً بأنّه عندما قاتل وحارب كان يُمارس ثقافة مقاومة حفاظاً على الوجود. لهذا السبب لا يُمكن “التشاوف” عليه من أيّ فريق آخر مقاوم رغم قوّته وكفاءته وكثرة حلفائه لأنّ المُنطلقات في العمق واحدة وأهمّها الحفاظ على الذات.