ماذا بعد الرابع من آب؟

عديد نصار – العرب

على مسافة بضعة أيام من السنوية الأولى لأكبر مجزرة عرفها لبنان في تاريخه، مجزرة تفجير مرفأ بيروت، العاصمة التي نالها ما نالها من خراب في ذلك التفجير الإجرامي فأتى على ما تبقى لناسها وللبنانيين جميعا من حياة، نرى الجميع يلملمون أشتاتهم.




المنظومة المسيطرة التي يرعاها ويحميها حزب الله تحاول لملمة نظام سيطرتها من خلال الإسراع في تشكيل حكومة، أو إيهام الناس بذلك في محاولة منها لبث آمال كاذبة بإمكانية أن تضع حدا لتفاقم الانهيارات على كل صعيد، الأحزاب والقوى المشكلة لتلك المنظومة تتهيب تلك المناسبة وتخرج على الناس بخطاب مراوغ يعفيها من تلك الجريمة، الأحزاب والقوى والمجموعات التي تعتبر نفسها امتدادا لانتفاضة السابع عشر من أكتوبر تبذل جهودا مرتبكة لاستقبال يوم الرابع من أغسطس وكأنها تخشى أن يفوتها تصدر مشهدية مشابهة للسابع عشر من أكتوبر أو أعمق انفجارا أو أشد اتساعا..

وفيما اللبنانيون منشغلون بلملمة أوضاعهم البائسة بين عجزهم عن تأمين حبة الدواء ومحاولاتهم البائسة للحصول على المحروقات وفقدان الأمل بعودة التيار الكهربائي وضياع جنى أعمارهم في المصارف.. يحاول دهاقنة المنظومة التنصل من مسؤولياتهم مما آلت إليه البلاد من خراب وضياع والتبرؤ من جريمة العصر التي اقتربت سنويتها الأولى بما قد تحمله من مفاجآت.

المنظومة المسيطرة التي يرعاها ويحميها حزب الله تحاول لملمة نظام سيطرتها من خلال الإسراع في تشكيل حكومة في محاولة منها لبث آمال كاذبة بإمكانية أن تضع حدا لتفاقم الانهيارات على كل صعيد

على مدى الساعات الماضية، التهمت الحرائق مساحات خضراء كبيرة في عكار في شمالي لبنان، الآلاف من الهكتارات التهمتها النيران التي وصلت ألسنتها إلى عشرات الأمتار ارتفاعا فأنارت سماء الشمال اللبناني المحروم من الإنارة، ووصلت إلى بيوت المواطنين وأحرقت ممتلكاتهم وسياراتهم ومزروعاتهم وسقط خلالها ضحايا من المواطنين.

مشهدية ذكرتنا بمشهدية مماثلة حصلت في منطقة الشوف في جبل لبنان قبيل انتفاضة السابع عشر من أكتوبر 2019، حين تساءل اللبنانيون عن الطوافات المخصصة لإطفاء الحرائق التي ابتاعتها الدولة قبل سنوات، ليتبين أنها معطلة وأنها كانت في حاجة إلى الصيانة منذ سنوات ولم يحصل ذلك لأن تكلفة الصيانة تحتاج إلى تمويل قدر بـ250 ألف دولار أميركي.

عجزت المنظومة التي نهبت مئات المليارات من الدولارات من الأموال العمومية وأموال المودعين عن تأمين 250 ألف دولار لصيانة ثلاث طوافات مخصصة لإطفاء الحرائق! تلك الحادثة أسهمت في تأجيج الغضب الشعبي الذي أوصل إلى تفجير انتفاضة السابع عشر من أكتوبر.

اليوم، وعلى بعد أيام قلائل من ذكرى تفجير مرفأ بيروت نشهد الأمر ذاته، حرائق لا تتوفر إمكانية إخمادها تلتهم الغابات والمزروعات وممتلكات المواطنين وأرزاقهم وحياة بعضهم، غياب كل مقومات الحياة، محاولات تنصّل من تفجير بيروت الذي اعتبر ثالث أكبر تفجير بعد هيروشيما وناكازاكي..

وكما في السابع عشر من أكتوبر 2019، حين خرج حسن نصرالله ليعلن حمايته للمنظومة التي يسيطر عليها والتي تتحكم بالبلاد فأوصلتها إلى ما هي فيه من انهيار اقتصادي ومالي واجتماعي ومن عزلة على مستوى المنطقة والعالم، فأطلق خطابه الذي تضمن لاءاته الشهيرة الثلاث: لا لإسقاط العهد (رئاسة الجمهورية) لا لإسقاط الحكومة (حكومة سعد الحريري) لا لإسقاط مجلس النواب (المنتخب سنة 2018 وفقا لأسوأ قوانين الانتخاب وما شاب العملية من تزوير لإرادة المواطنين)، كما خرج وقتها لحماية المنظومة، فقد خرج قبل مدة لإنقاذها من التحقيق العدلي في جريمة المرفأ.

بعد أن أصدر قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار اتهامه لعدد من النواب والوزراء السابقين وكذلك لعدد من كبار الضباط العسكريين والأمنيين طالبا نزع الحصانات عنهم، بادر حسن نصرالله إلى مهاجمة القاضي بيطار معتبرا أن التحقيق انتهى وأن على القاضي بيطار نشر ما توصل إليه التحقيق، ما اعتبر إشارة إلى مجلس النواب والوزراء والنيابة العامة التمييزية برفض إعطاء الإذن ورفع الحصانات في محاولة لمحاصر التحقيق والتضييق على المحقق العدلي وإفشاله. وهذا بالضبط ما حصل.

ما شهده مجلس النواب من محاولات التسويف والتشكيك. مهاجمة المحقق العدلي وإطلاق العرائض والنطق بأحكام البراءة.. أمور يندى لها الجبين، أمام هول الجريمة وأعداد الضحايا

قبل كلمة حسن نصرالله بساعات أعلن وزير الداخلية محمد فهمي في مقابلة متلفزة عن استعداده لمنح إذن ملاحقة مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم. لكن بعد الخطاب تراجع الوزير مدعيا إحالة الملف إلى الدائرة القانونية في الوزارة ليطالعنا بعد يومين برفض إعطاء الإذن منتحلا صفة القضاء حين ادعى أن المدير العام للأمن العم بريء مما نسب إليه!

الأمر نفسه انسحب على جميع المؤسسات المعنية بإعطاء الأذونات ورفع الحصانات، وما شهده مجلس النواب من محاولات التسويف والتشكيك. مهاجمة المحقق العدلي وإطلاق العرائض والنطق بأحكام البراءة.. أمور يندى لها الجبين، أمام هول الجريمة وأعداد الضحايا والخسائر المادية الناجمة عنها وخصوصا المعنوية التي طالت جميع اللبنانيين.

حين هبّ حسن نصرالله لحماية منظومة النهب والفساد في أكتوبر 2019 أكد أنه المستفيد الأول من رعاية نظام النهب والفساد، وقد خبِرنا ذلك منذ ذلك التاريخ بأوضح التجليات حين اعتبر أحد أبرز كوادر حزب الله أن التهريب (تهريب السلع المدعومة من أموال المودعين اللبنانيين والذين هم بأمس الحاجة إليها) هو فعل مقاوم!

واليوم يؤكد حسن نصرالله ضلوعه في تفجير مرفأ بيروت حين يهب لحماية المتهمين ويشير بعدم رفع الحصانات ويعمل على محاصرة المحقق العدلي وإفشاله.

في ظل كل ذلك، لا ندري بالضبط كيف سيمر الرابع من أغسطس على بيروت وعلى اللبنانيين، كل شيء متوقع الحدوث.. لكن، ماذا بعد الرابع من أغسطس؟ وماذا ستقدم قوى المعارضة اللبنانية وأحزابها ومجموعاتها من جديد؟ وهل قامت بالاستعدادات اللازمة كي تفتح آفاقا جديدة للتغيير يبنى عليها وتعطي أملا جديدا للناس الذين لا مفرّ لهم من البقاء في أرضهم وتحمل كل الأوزار الناجمة عن ذلك؟