لبنان في مأزق مالي أخطر مع تآكل أصوله السيادية

حملت أحدث المؤشرات التي كشف عنها مصرف لبنان المركزي حول تآكل الأصول السيادية للبلد وحجم الدين العام الذي تسببت فيه الحكومات المتعاقبة طيلة السنوات الماضية في طياتها حالة من القلق الممزوج بالإحباط من أن البلد قد يواجه أخطارا أكبر.

وكشف تقرير للمركزي نشره على منصته الإلكترونية أن الأصول الأجنبية التي بحوزته تراجعت إلى حوالي 21.1 مليار دولار، وهو أدنى مستوى لها منذ يونيو عام 2009، بعد أن كانت عند نحو 38.7 مليار دولار في منتصف سبتمبر 2019.




أرقام سلبية

● 21.1 مليار دولار حجم الاحتياطات النقدية، وهو أدنى مستوى لها منذ 2009

● 60.4 مليار دولار ديون الحكومة بالعملة المحلية لدى أكثر من 70 مصرفا يعمل في لبنان

● 7.7 مليار دولار ديون الحكومة لدى المؤسسات غير المصرفية

● 97 مليار دولار حجم الدين العام بالعملة المحلية والأجنبية بنهاية أبريل الماضي

ويختزل التبخر المتسارع للنقد الأجنبي جبل الأزمات والتحديات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد اللبناني المنهار على الرغم من التدابير الطارئة التي يتخذها المصرف المركزي بين الفينة والأخرى للحيلولة دون استفحال الأزمة في النظام المصرفي.

وتأثر اقتصاد لبنان الصغير سلبا من جراء تراجع التدفقات النقدية من لبنانيي المهجر، بعد أن كانوا تقليديا عاملا مساعدا في تمويل جانب من متطلباته المالية، وأيضا من جراء النزوح الجماعي للاستثمارات الخارجية بشكل متواتر بسبب الأزمة السياسية.

ويثير نقص السيولة النقدية وخاصة الدولار في السوق المحلية مخاوف أوساط الأعمال من تفاقم الأزمة في الفترة المقبلة، رغم تخفيف القيود عن عمليات السحب من البنوك خشية الانزلاق في منحدر تآكل احتياطات المركزي، والتي أجبرت بعض الشركات على إيقاف نشاطها مؤقتا.

ويعاني لبنان، الذي يرزح تحت وطأة أحد أثقل أعباء الدين العام في العالم، جراء شلل سياسي متواصل رغم تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة بدل حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها حسان دياب عقب فشل سعد الحريري في تشكيلها، وكذلك الحرب في سوريا والعراق التي نالت من التجارة الإقليمية وحركة السفر.

وتظهر بيانات المركزي أن ديون الحكومة للمصارف التي تعد محورية للاقتصاد القائم على الخدمات تشكل ما يقارب 25 في المئة من إجمالي الدين بالعملة المحلية، والبالغ حوالي 91 تريليون ليرة (60.4 مليار دولار).

ومعظم ديون الحكومة، لأكثر من 70 مصرفا يعمل في لبنان، على شكل سندات حكومية اشترتها البنوك في السنوات الماضية.

أما ديون الحكومة للمؤسسات غير المصرفية فبلغت نحو 7.7 مليار دولار على شكل سندات خزينة، ويعتبر المركزي الدائن الأكبر للحكومة بمقدار 37.2 مليار دولار في نهاية مارس الماضي.

وأظهرت بيانات أيضا أن الدين العام بالعملة المحلية والأجنبية تجاوز 97 مليار دولار في نهاية أبريل الماضي، عن مستواه البالغ 60 مليار دولار في نهاية عام 2017، نتيجة الاقتراض الضخم وتراكم الفائدة.

ويصف بعض الاقتصاديين النظام المالي في لبنان بأنه خطة احتيال منظمة على الصعيد الوطني مثل سلسلة بونزي الهرمية التي يتم فيها اقتراض المال لسداد أموال دائنين سابقين، وتفلح الخطة إلى أن تنفد الأموال الجديدة.

ورغم أن المركزي الذي يقوده منذ 1993 المصرفي السابق في ميريل لينش رياض سلامة استحدث عمليات “هندسة مالية”، وهي مجموعة من الآليات التي وصلت إلى عرض عوائد سخية على المصارف المحلية مقابل الدولارات ما انعكس على زيادة الاحتياطات الأجنبية، إلا أن الأمر كان أقل وضوحا.

ويرى محللون أن ذلك الوضع أصبح نقطة مثيرة للجدل مع زيادة الالتزامات حيث تشير التقديرات الصادرة عن المؤسسات المالية ووكالات التصنيف الدولية إلى أن ما يدين به المركزي يمحو أصوله وأكثر، لذا قد يكون متكبدا لخسائر جسيمة.

وحذرت وكالة التصنيف الائتماني موديز في أبريل الماضي من أن عدم قدرة المركزي اللبناني على توفير المال لبرنامج الحكومة لدعم الواردات، باعتبار أن احتياطات النقد الأجنبي القابلة للاستخدام قد استُنزِفت عمليا، من شأنه أن يطال احتياطات النقد الأجنبي الإلزامية المحتفظ بها نيابةً عن البنوك التجارية وهو ما يمثل انهيارا كاملا للقطاع المصرفي.

وأكد خبراء الوكالة حينها أن التعدي على الاحتياطات الإلزامية للبنوك المحتفظ بها في المركزي، وسط الجمود الحكومي المستمر، من شأنه أن يزيد من المخاطر لدى البنوك الدولية المراسلة.

وقالوا إن ذلك قد يعرض المعاملات المصرفية في البنوك اللبنانية للخطر، الأمر الذي يمكن أن يؤثر بشكل سلبي على ركائز الاقتصاد الأساسية، بما في ذلك التجارة والسياحة وتحويلات المغتربين.

وعمل لبنان بعد الحرب الأهلية على موازنة دفاتره بإيرادات السياحة والمساعدات الخارجية وأرباح القطاع المالي وسخاء دول الخليج العربية التي مولت الدولة من خلال تدعيم احتياطات المصرف المركزي.

لكن واحدا من أكثر مصادر الدولارات التي يعتمد عليها كان تحويلات ملايين اللبنانيين الذين سافروا إلى الخارج بحثا عن عمل. وحتى خلال الانهيار المالي العالمي عام 2008 كان اللبنانيون يحولون الأموال إلى بلادهم.

ومع ذلك بدأت التحويلات تتباطأ بدءا من العام 2011 عندما أدت الخلافات الطائفية في لبنان إلى المزيد من التعثر السياسي وهوى قطاع كبير من الشرق الأوسط بما فيه سوريا المجاورة في حالة من الفوضى.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت الاستثمارات الخليجية في لبنان تنحسر مع تزايد نفوذ إيران في لبنان عن طريق جماعة حزب الله المسلحة التي تنامى نفوذها السياسي.

وسجل العجز في الميزانية ارتفاعا كبيرا وازداد العجز في ميزان المدفوعات بينما فشلت التحويلات في مجاراة واردات تشمل كل شيء من المواد الغذائية الأساسية إلى السيارات الفارهة.

ورغم شح الدولار استبعد خبراء اقتصاد أن يقدم لبنان على خطوة تسييل جزء من مخزون الذهب البالغ حجمه 286.8 طن بقيمة 15 مليار دولار والموزع بين موجودات في المركزي وأخرى في السوق الأميركية بسبب حواجز قانونية وسياسية وربما اجتماعية أيضا.