هل من تسوية فرضت ميقاتي رئيساً ولماذا سارع “حزب الله” إلى تلقّف العرض؟

ابراهيم بيرم – النهار

بعد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة المنتظرة، لم يعد السؤال المحوري هو: هل ينجح حيث اخفق سلفه الرئيس سعد الحريري؟ اذ ان معظم المكونات السياسية باتت تتعامل وكان امر التأليف مقضياً وان الولادة الحكومية اقرب من اي وقت مضى. وعليه فان اللغز وكلمة السر التي يتم البحث عنها بدأب هي ما طبيعة التحولات الاقليمية والدولية التي فرضت هذا الانفراج؟ واستطرادا ما هي التفاهمات الكبرى غير المرئية التي نُسجت خيوطها في العتمة وجعلت ما كان يبدو سابقا وكأنه في خانة المستحيلات قد صار في طرفة عين اقرب من حبل الوريد؟




والأبعد من ذلك يتراجع فجأة الى اقصى الحدود منسوب الاعتراض والتشدد لدى مكونات سياسية اساسية وتتحول بمواقفها من الرافع لسقف شروطه ومطالبه لتتبنى خطابا مرنا وسلسا ان لم يكن مباركا وذلك تحت عناوين ومبررات شتى.

الامر ينسحب بالدرجة الاولى على تيار “المستقبل” الذي ما لبث ان بارك زعيمه الرئيس سعد الحريري تسمية ميقاتي خليفة شرعيا له بعدما كان لوّح في اطلالة اعلامية مشهودة غداة عزوفه بانه لن يسير الى امر التسمية بقدَم.

والى “التيار الوطني الحر” الذي يتخلى فجأة عن مناخات الاعتراض الشرس التي ابداها بداية عبر التلويح بخيار تسمية نواف سلام “نكاية واعتراضا” على ما بدا مفروضا، ويقول رئيسه جبران باسيل كلاما اتسم بالطيبة والمرونة في جلستي الاستشارات، فبدا وكأنه تخلى عن توجهٍ لتسمية شخصية اخرى.
واذا لم يكن مستغربا ان يقرر رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط السير قدماً في موكب المباركة وموسم المبايعة، فان اللافت كان مسارعة “حزب الله” الى التعامل بايجابية مع حدث الصعود المفاجىء لاسم ميقاتي من دون ان يمنح نفسه اي فرصة للتفكير او التبصر بمندرجات العرض النازل وكأنه قدر لا يُردّ.

واكثر من ذلك، بادر الحزب عبر مواقع تواصل اجتماعي محسوبة عليه ويتوسلها لبث رسائل الى جمهوره، الى توزيع نوع من تعميم داخلي و”تقدير موقف” يحمل 8 دواعٍ ومبررات حدت بقيادة الحزب الى الانخراط العاجل في موكب الذين يسمون ميقاتي. وهو للعارفين بأدبيات الحزب وسلوكياته اداء غير مسبوق يدل على نحو او آخر الى حاجة الحزب الملحّة لاقناع قاعدته عبر اظهار الوجوه الشرعية لاعتناق هذا الخيار والمضي في هذه الخطوة، ويدل في الوقت عينه الى ان هذه القاعدة التي سبق لها ان خبرت اداء ميقاتي في الرئاسة الثالثة، تقيم على قدر لا يستهان به من الاعتراض المكبوت لمثل هذا الخيار خصوصا.

مبرر اول قدمه الحزب هو انه ملتزم منذ “اتفاق الدوحة” مبدأ الميثاقية وتمثيل الاقوى نيابيا لطائفته (…) وعليه سيأخذ في الاعتبار ما تلتزمه الاكثرية السنية (الكتل النيابية، دار الفتوى، المجلس الشرعي، نادي الرؤساء السابقين) لجهة تسمية رئيس الحكومة.

مبرر ثانٍ يتجسد في اولوية الحزب تأليف حكومة للحد من الانهيار وتخفيف الاعباء على اللبناني. واذا كان الحزب يعلن معرفته صراحة بان ميقاتي سيكون مرشح السنّة، إلا انه يكشف عن قناعته بانه ايضا مبارك ب#تسوية خارجية، فهو بحسب تعميم الحزب “موضع تقاطع مع دول خارجية معنية بالشأن اللبناني”، ليستنتج بناء على ذلك ان السير بميقاتي هو “خيار الضرورة في محاولة للحد من الانهيار”.

ويمضي الحزب في عملية مكاشفة جمهوره فيقول: “ان الحكومة العتيدة ستكون حكومة انتقالية بانتظار اجراء الانتخابات النيابية، وهي في اسوأ الحالات افضل من حكومة تصريف الاعمال المتوقفة حتى عن تصريف الاعمال”.

واستنتاج آخر اكثر عمقا للحزب عنوانه ان “حكومة ميقاتي هي خيار الممكن وليست غاية في ظل هذا التزاحم من التقاطعات وتراكم الازمات”.
ليختم عرضه باستنتاج آخر اكثر وعيا ووضوحا وهو “ان البلد في حال مساكنة سياسية بانتظار الانتخابات النيابية، فالمرحلة هي لتقطيع الوقت بأقل الخسائر وليست مرحلة خيارات حاسمة”.

في طيات هذه السردية النادرة التي تخالف تعاطي الحزب المألوف مع هذا النوع من القضايا المفصلية، يكمن نوع من الاقرار الضمني بان الحكومة المرجح ولادتها ترعاها عين تسوية خفية شاركت فيها جهات خارجية معنية بالشأن اللبناني بانتظار الانتخابات، ويكمن ايضا نوع من الاقتناع لدى الحزب بان خصومه قد عادوا عن لعبة الضغوط التي مارسوها خلال الاشهر السابقة، وانهم ارتضوا اخيرا المساكنة السياسية وتقطيع الوقت في انتظار الانتخابات.

هل يوحي هذا الكلام في طياته ان الجهات التي ادارت ببراعة لعبة اقصى الضغوط المتنوعة طوال الاشهر الماضية قد قررت مهادنة وتسوية سياسية وقررت بالمقابل اللجوء الى ميدان آخر هو ميدان صناديق الاقتراع لإحداث انقلاب يطيح الاكثرية الحالية توطئة لما يلي؟

يوافق الباحث في اكاديمية باريس للجيوبولتيك فيصل جلول على نظرية ان “الحكومة المقبلة إنْ تألفت في وقت قريب وفق معظم الترجيحات ستكون بمثابة حكومة الامر الواقع في انتظار يوم الانتخابات المقررة مبدئيا بعد نحو ثمانية اشهر لان ثمة رهانا كبيرا عند البعض على ما ستحمله من نتائج”.

وعزا جلول المقيم في باريس في اتصال مع “النهار” ارتفاع منسوب التفاؤل بامكان حصول ولادة حكومية قريبة الى “تغير الوجهة والمعادلة التي اقام عليها البعض خلال الاشهر الماضية وجرى الاصرار والرهان عليها، ومفاد هذه الوجهة هي ممارسة مزيد من الضغوط الى ان يتم الاتيان بحكومة اختصاصيين صرفة فتنأى بذلك بنفسها عن صلة او رابط يذكّر بحكومة الثلاثي اي “الجيش والشعب والمقاومة”، وهي التي كانت دوما اساسا معترفا به لكل الحكومات السابقة”.

وأضاف ان “المعروض والمطروح وفق المقدمات هو حكومة الامر الواقع وفق القواعد والمعادلات المعلومة سابقا، على الاقل من الان والى موعد الانتخابات النيابية، حيث ثمة من يبني حساباته ويغذي حبل سرة طموحاته على اساس نتائج تودي بالاكثرية الحالية واعادة الوضع الى ما كان عليه بُعيد انتخابات عامي 2005 و2009”.

وهل صحيح ما يحكى بان ما حصل فجأة اخيرا على المسرح السياسي اللبناني وما رافقه من ازالة المعوقات امام ولادة عاجلة للحكومة، هو امر يرتبط بمسار المفاوضات الاميركية – الايرانية ومآلاتها؟

اجاب جلول: “الواضح من مسار هذه المفاوضات هو الاستمرارية وبرغبة اميركية اكثر. فالمعلوم ان الرئيس الايراني الجديد ابرهيم رئيسي الذي سيتسلم صلاحياته يتموضع في منطقة وسطى بين التشدد والاعتدال، ويبدو ان اميركا تريده ان يحافظ على موقعه الحالي ولا يقع في قبضة التيار المتشدد. ولا بد ونحن نقارب الامر من ان نأخذ في الاعتبار ان واشنطن تكاد تنهي انسحابا من افغانستان وقررت ايضا انسحابا من العراق، مما يشي بان الضغوط القصوى على محورالممانعة قد بدأت بالتلاشي، وبدأ هذا المحور يستشعر راحة اكبر وتحررا من ربقة ماض لم يرحمه اطلاقا”.

وختم: “لذا فالارجح ان ما حصل في لبنان هو نوع من التجديد لحال المساكنة الموجودة سابقا، اضافة الى عنصر آخر اشرنا اليه سابقا وهو الرهان على الانتخابات المقبلة مدخلا ضروريا لاعادة انتاج واقع جديد بموازين مختلفة”.